عبدالرحيم الشافعي
يُعدّ الناقد السينمائي في عصرنا الحالي أكبر من مراقب للأفلام أو مُبدي لرأي فني سطحي، إنه باحث متخصص ومحلل متعدد التخصصات يربط بين عوالم الفن السابع وعوالم العلوم الإنسانية برباط ععقلاني ومتكامل، إذ يقرأ العمل السينمائي كوثيقة حية تكشف أعماق النفس البشرية وتعقيدات المجتمعات المعاصرة، ومن هذا المنطلق ينشأ التقاطع الخصب بين النقد السينمائي والعلوم السلوكية والاجتماعية التي تقدم له أدوات تحليلية دقيقة تساعده على فك شيفرة الرموز والدلالات المخفية، وتفسير السلوكيات الإنسانية، واستيعاب التحولات الثقافية والاجتماعية التي تمر بها الشعوب، وهذا كله يجعل النقد السينمائي أداة معرفية أساسية في استكشاف الواقع الإنساني المعاصر، لا سيما في زمن الإنتاج السينمائي الغزير والمنصات الرقمية التي جعلت السينما جزءاً يومياً من حياة الملايين، وقد أكد أندريه بازان في كتابه “ما هو السينما؟” على أن كل فيلم يشكل وثيقة اجتماعية تكشف أحلام المجتمع وأوهامه.
ويستعين الناقد السينمائي بعلم النفس كأداة أساسية للغوص في أعماق الشخصيات السينمائية وتحليل دوافعها الداخلية وصراعاتها النفسية المعقدة التي تشكل جوهر السرد الفيلمي، إذ يطبق مفاهيم مثل اللاشعور والصدمات النفسية والقلق الوجودي والآليات الدفاعية ليفسر كيفية تطور الشخصية عبر الأحداث وكيف تتفاعل مع الظروف الخارجية، وهذا الاستعانة مدعومة بأعمال كريستيان ميتز في كتابه “الدال الخيالي: التحليل النفسي والسينما” الذي يربط بين النظرية التحليلية النفسية والمشاهدة السينمائية كتجربة مرآوية، كما في فيلم “جوكر” الذي يُقرأ فيه انهيار آرثر فليك النفسي كنتيجة متراكمة للعزلة الاجتماعية والإهمال الحكومي والضغوط النفسية المستمرة مستلهماً أفكار جان لاكان حول الـحقيقة”كما طورها سلافوي جيجك في تحليلاته السينمائية، وهذا المنهج يمكّنه من فهم كيفية بناء التوتر العاطفي داخل الفيلم من خلال الإخراج والتمثيل والمونتاج، وبالتالي يصبح الناقد قادراً على ربط التحليل النفسي بالرسالة الفنية بشكل يثري فهم الجمهور للعمل ويجعله أكثر وعياً بتأثيراته العميقة على الوجدان الإنساني.
ويمنح علم الاجتماع الناقد السينمائي أدوات تحليلية قوية ومتعددة تمكنه من قراءة البيئة الاجتماعية التي يدور فيها الفيلم كوثيقة تاريخية وثقافية حية تكشف قضايا المجتمع بكل تعقيداتها، فيفكك الناقد من خلاله الطبقات الاجتماعية وعلاقات السلطة والهويات الثقافية والصراعات بين الأجيال والتحولات الاقتصادية والقيمية، ويظهر ذلك في أعمال مثل الفيلم السينمائي الكوري “طفيلي” الذي يكشف عن الفجوة الطبقية الحادة في المجتمع الكوري مستنداً إلى مفهوم “الرأسمال الثقافي” عند بيير بورديو الذي يفسر كيف تحافظ الطبقات على سيطرتها، أو فيلم “كفرناحوم” الذي يركز على استغلال الأطفال واللاجئين في مجتمعات عربية معاصرة ويطرح أسئلة معقولة حول مسؤولية المجتمع تجاه الضعفاء، وهذا العلم يساعد الناقد على فهم كيف تنعكس قضايا الفقر والهجرة والتمييز والصراع الطبقي داخل السيناريو والإخراج، الأمر الذي يجعل ممارسة النقد تقييم كدراسة اجتماعية هامة تساهم في وعي الجمهور بقضايا عصره.
ويدرس الناقد السينمائي تأثير الفيلم على الجمهور من خلال نظريات علم النفس الاجتماعي وعلم الإعلام بطريقة منهجية ودقيقة تربط بين ما يحدث داخل الشاشة وما يحدث في عقول وقلوب المشاهدين، فيسأل كيف تؤثر الصورة البصرية والموسيقى التصويرية والسرد الدرامي على تشكيل المشاعر والاتجاهات والقيم والسلوكيات لدى الجمهور المتنوع، ويطبق نظريات مثل نظرية الزرع الثقافي ونظرية الاستخدامات والإشباعات مدعومة بأعمال لورا مالفي في مقالتها الشهيرة “المتعة البصرية والسينما السردية” التي تحلل “النظرة الذكورية”، ويفهم لماذا بعض الأفلام تحقق نجاحاً عالمياً هائلاً وتثير جدلاً اجتماعياً واسعاً حول قضايا عدم المساواة الاقتصادية والرأسمالية المتوحشة كما في تحليلات جيجك، وهذا التحليل يمكّن الناقد من تفسير الظواهر الثقافية الكبرى التي تشكل الرأي العام.
ويربط الناقد السينمائي بين السينما والعلوم القانونية والإعلامية ليفهم السياقات الخارجية التي تحيط بعملية الإنتاج والتوزيع والاستقبال، فيبحث في قضايا الرقابة وحرية التعبير وحقوق الملكية الفكرية والحدود الأخلاقية والقانونية لتناول القضايا الحساسة في الأعمال الفنية، وهذا الربط مدعوم بدراسات علم الإعلام حول التأثير الاجتماعي وكتب مثل “نظرية السينما ونقدها” لليو برودي ومارشال كوهن التي تجمع بين التحليلات النفسية والاجتماعية والقانونية، ويساعده على تفسير الأزمات التي قد تواجه بعض الأفلام مثل قضايا الرقابة في الدول العربية أو التوترات الدبلوماسية الناتجة عن أعمال سينمائية جريئة، كما يدرس تأثير الخوارزميات والاقتصاد السلوكي في تسويق الأفلام وتوجيه أذواق الجمهور، الأمر الذي يجعل النقد أداة شاملة تربط بين الفن والواقع السياسي والاقتصادي والقانوني، وتساهم في فهم التوازن الدقيق بين الإبداع الحر والمسؤولية الاجتماعية في عصر الرقمنة الشاملة.
ويجمع الناقد السينمائي االدارس بين الحساسية الفنية العالية والمعرفة العلمية الرصينة في قراءة متكاملة تحول تجربة مشاهدة الفيلم من اسلوب ترفيه عابر إلى تجربة فكرية ووجدانية فعالة تثري الوعي الإنساني، إذ يقدم تحليلاً يجمع بين الجوانب الجمالية والنفسية والاجتماعية والثقافية وتوازن مدعوماً بمصادر كلاسيكية مثل أعمال بازان وبورديو وميتز ومالفي وجيجك، وهذا الجمع يساعد الجمهور على التمييز بين الأعمال السطحية والأعمال ذات القيمة الفنية والفكرية الحقيقية في زمن الإنتاج الغزير، الأمر الذي يجعل النقد السينمائي ضرورة ثقافية ومعرفية أساسية تساهم في بناء المجتمعات ورفع مستوى الوعي الجماعي.
#الناقد_السينمائي #عبدالرحيم_الشافعي #موقع_الناقد_الجديد #النقد_السينمائي #العلوم_الاجتماعية #العلوم_السلوكية #السينما #تحليل_الأفلام #النقد_الفني #السينما_والمجتمع











Leave a Reply