عبدالرحيم الشافعي
يطرح عيد الأضحى في صورته المعاصرة إشكالية حضارية عميقة ومعقدة تتجاوز الاحتفال بشعيرة دينية لتصل إلى جذور الهوية الإسلامية ومستقبلها، فبينما يصرّ الكثيرون على أن هذه الطقوس تمثل قمة الطاعة والتقرب إلى الله، تكشف الممارسات اليومية عن مشهد دامٍ من الإسراف المفرط والرياء الاجتماعي والإهدار الاقتصادي الهائل والمعاناة الحيوانية غير الإنسانية والتباهي السخيف الذي يعكس حالة مرضية مزمنة في المجتمعات الشبه إسلامية. إنها تناقض صارخ بين روح الإسلام الذي يدعو إلى الرحمة والعدل والترشيد في الإنفاق وبين واقع أمة غارقة في طقوس شكلية تحولت إلى مهرجان استهلاكي سنوي يرهق كاهل الفقراء والطبقة المتوسطة والأغنياء، وهذا النقد ليس عداءً للدين وانما محاولة صادقة لفصل النص الأصيل عن التشوهات الحضارية التي لحقت به عبر القرون في زمن أصبحت فيه الشعوب تتفاخر بالسنن الشكلية وتُهمل الفرائض الأساسية للعقل والأخلاق والتقدم الحقيقي.
هل تظنون أن من لا يُصلّي الصلاة، وهي أساس الدين الإسلامي عامة، جحودًا لوجوبها، يُقبل منه صيامٌ أو تُقبل ذبيحته؟
ويكشف الواقع المعاصر لعيد الأضحى عن مأساة حضارية كبرى تتمثل في تحويل شعيرة كانت تهدف إلى الرحمة والتقوى إلى طقس دموي همجي يسيطر على المجتمعات الإسلامية بأكملها ويحول أيام العيد إلى أسواق مفتوحة للذبح الجماعي والتباهي غير المحدود. كما يُهدر في هذه المناسبة مئات الملايين من الدولارات خلال أيام معدودة في مجتمعات تعاني أصلاً من نقص حاد في الخدمات الأساسية كالمستشفيات والمدارس والطرق والمشاريع التنموية. ويتباهى الأغنياء بضخامة وحجم الأضاحي التي يشترونها بينما يُجبر الفقراء والطبقة المتوسطة على المشاركة بالاقتراض أو بيع ممتلكاتهم حتى لا يواجهوا اتهامات بالبخل أو ضعف الإيمان، فتتحول العبادة المفترضة إلى منافسة اجتماعية بغيضة تكشف عن فراغ روحي ونفسي مرعب يعيشه أفراد المجتمع في ظل هذا التقليد السنوي. ويستمر هذا الإسراف المجنون رغم انتشار الجوع والفقر المدقع في مناطق واسعة من العالم الإسلام، وهذا يجعل من العيد مناسبة لإظهار الوهم الديني عوض مواجهة الحقائق المرة للتخلف الشامل، ليصبح العيد في النهاية شاهداً دامغاً على حالة مرضية حضارية تجعل الأمة تتمسك بالشكليات الخارجية كتعويض عن فشلها في بناء مجتمعات عقلانية ومنتجة.
سُئل النبي ﷺ: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ فقال: «الصلاة على وقتها»، ثم قيل: ثم أي؟ قال: «برّ الوالدين»، ثم قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (رواه البخاري ومسلم).
ويُبرز هذا الواقع التناقض الصارخ بين تعاليم الإسلام الأصيلة التي تحث على الرحمة بالخلق أجمعين وبين الممارسات الرأسمالية اليومية في أسواق الماشية التي تُعامل فيها الانسانية بقسوة بالغة قبل أيام من الذبح، ويغفل الناس تماماً عن أن التقوى الحقيقية تكمن في القلوب والأخلاق بينما يستمر الجهل المركب الذي يجعل من الشكل الخارجي والمظاهر الاحتفالية بديلاً كاملاً عن الجوهر الأخلاقي والعقلاني للدين، الأمر الذي يُنتج أجيالاً كاملة متخلفة روحياً ونفسياً تعيش على الطقوس السطحية وتفتقر إلى القدرة على النقد الذاتي والتفكير العميق.
ويتجاهل أشباه المسلمين الفرائض الأساسية كالصدق والأمانة والعدل الاجتماعي ويهرعون بكل حماس نحو التباهي بالأضحية كدليل وهمي على قوة إيمانهم وتدينهم، فتُترك المساجد فارغة من المصلين في أيام عادية بينما تكتظ أسواق بيع الغنم والأبقار قبل العيد بأسابيع في مشهد يبرز أولويات مشوهة تماماً. كما يُهمل طلب العلم والابتكار والإنتاجية الاقتصادية مقابل الاحتفال بطقس سنوي مكرر لا يضيف شيئاً حقيقياً لتقدم الأمة، وتتحول الذكرى الإبراهيمية النبيلة إلى مهرجان استهلاكي صاخب يعكس فقراً نفسياً وروحياً عميقاً يصيب كافة طبقات المجتمع. ويُصاب المجتمع بمرض عضال مزمن يجعل من الشعائر الشكلية غطاءً سميكاً للفشل الحضاري في مختلف المجالات، بينما يستمر الوهم الخطير بأن الدماء واللحوم والطقوس المرئية يمكن أن تعوض عن غياب الأخلاق والعلم والإبداع في حياة الأمة، ليصبح العيد دليلاً واضحاً على تخلف ديني وثقافي وعلمي يطال الغني والفقير والطبقة المتوسطة دون استثناء.
قال الله تعالى:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ *(سورة الحج: 37)
التقوى: في هذه الآية تعني: أن يقصد المسلم بعمله وجه الله وحده، مع امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإخلاص النية بعيدًا عن الرياء أو التفاخر، فالله لا ينتفع بلحوم الأضاحي أو دمائها، وإنما يقبل من العبد ما وقر في قلبه من إيمان وخشية، وما ظهر في سلوكه من طاعة وإحسان وصدق في العبادة.
فهل أنت من أهل التقوى، أي تتبع أوامر الله وتجتنب نواهيه أولًا؟
ويُظهر عيد الأضحى المعاصر كيف أصبحت الأمة الإسلامية فقيرة روحياً ونفسياً رغم كثرة الطقوس والاحتفالات الدينية التي تملأ التقويم السنوي، إذ تفتقر الشعوب إلى الإبداع الفني والثقافي الحقيقي فتتحول السنة النبوية الأصيلة إلى أداة فعالة لتعزيز التخلف الحضاري بدلاً من أن تكون دافعاً للنهضة والإصلاح، ليصبح الاحتفال شاهداً قوياً على أزمة وجودية عميقة تعيشها أمة تدّعي التمسك بالدين بينما تبتعد عن جوهره الحقيقي.
ويُفضح الجانب الاقتصادي المدمر لهذه الطقوس حينما يضطر الفقراء إلى الاقتراض بفوائد باهظة لشراء أضاحٍ لا تلبي احتياجاتهم الحقيقية، كما تُباع الأصول الثمينة والذهب والمدخرات لدى العائلات المتوسطة فقط للحفاظ على المظهر الاجتماعي والمكانة أمام الآخرين. ويستفيد التجار والسماسرة بشكل كبير بينما يخسر المجتمع ككل موارد مالية هائلة كان يمكن توجيهها نحو مشاريع تنموية حقيقية، فتتحول البركة المزعومة للعيد إلى لعنة اقتصادية تُثقل كاهل الأفراد والأسر والدول لأشهر طويلة بعد انتهاء الاحتفال.
ويُحول هذا الواقع الإسلام من دين عقلاني رحيم يدعو للتقدم والعدل إلى مجموعة من الطقوس الشكلية الخالية من الروح والمعنى الحقيقي في حياة المسلمين، فتُصبح الأضحية وسيلة للغرور والتفاخر الاجتماعي عوضا عن كونها تعبيراً صادقاً عن التواضع والإحسان والتقرب إلى الله. ويفقد المسلمون تدريجياً القدرة على النقد الذاتي والمراجعة أمام هذا التقليد الذي أصبح مقدساً لا يقبل النقاش أو التطوير، كما تتكرس حالة من الجمود الفكري والفقهي تحول دون أي إصلاح ديني حقيقي أو تكييف مع متطلبات العصر الحديث. ويُعاني الشباب المسلم من انفصام حضاري حاد بين التعاليم النظرية للدين وبين الواقع المتخلف الذي يعيشونه يومياً، بينما تستمر الدورة الشريرة من الاحتفال بالشكل الخارجي وإهمال الجوهر الأخلاقي والعلمي للرسالة الإسلامية، ويبقى السؤال الجوهري معلقاً بقوة:
متى يستيقظ المسلمون من هذا الوهم المقدس ويعيدون لدينهم نقاءه وعقلانيته الأصيلة؟
ويصبح من الضروري مواجهة الرياء الاجتماعي الذي يغلف هذه المناسبة ويحولها إلى مسرحية كبرى للظهور، كما يتطلب الأمر شجاعة نقدية عالية لإعلان براءة الإسلام التامة من هذا الوجه المدمر الذي يمارسه أشباه المسلمين، ومع ذلك يظل الأمل قائماً بجيل جديد واعٍ يستطيع أن يعيد للدين نقاءه وعقلانيته الحقيقية بعيداً عن الطقوس الشكلية البالية.
الإسلام دين يسر ورحمة وليس دين عسر أو مشقة، فقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وجاءت الشريعة قائمة على التدرج والرحمة ورفع الحرج عن الناس، فلا يُكلَّف الإنسان إلا بما يستطيع، ولا تُبنى العبادة على إرهاق النفس أو تكليفها ما لا تطيق. كما أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، قال النبي ﷺ: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، فلا تُقبل العبادة مع فساد النية أو المال الحرام أو الرياء، لأن الرياء في العبادة نوع من الشرك الخفي الذي يُبطل العمل أو ينقصه، إذ قال النبي ﷺ: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء. وكذلك شددت الشريعة على تحريم الظلم والفساد المالي والأخلاقي مثل السرقة والرشوة، لأنهما يهدمان العدالة ويأكلان أموال الناس بالباطل، كما نهت عن إرهاق النفس وتكليفها فوق طاقتها، لأن الدين مبني على التوازن والاعتدال. وفي هذا السياق يتبين أن الفرائض هي الأساس الذي تُبنى عليه العبادة، فهي مقدمة على السنن والنوافل، فلا تُقبل النافلة مع ترك الواجب، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه»، كما أن النبي ﷺ قال عندما سُئل عن أحب الأعمال: «الصلاة على وقتها»، وهذا دليلي بسيط يدل على أن الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام والحج هي الأصل الأول، ثم تأتي السنن كتكملة وزيادة في الأجر بعد أداء الواجبات
#عبدالرحيم_الشافعي #موقع_الناقد_الجديد تجار عيد الأضحى: رأسمالية مقدسة تُشوّه جوهر الإسلام وتُغرق الأمة في وحل الجهل والتخلف.











Leave a Reply