ندوة الإنتاج السينمائي الإفريقي وتحديات المنصات الرقمية بمهرجان خريبكة تغرد خارج السراب

عبدالرحيم الشافعي

انعقدت الندوة التي احتضنها المهرجان الدولي للسينما الأفريقية في دورته السادسة والعشرين بخريبكة في لحظة استثنائية بامتياز، لحظة يتحوّل فيها المشهد السمعي-البصري العالمي بسرعة لم تشهدها صناعة السينما منذ اختراع الصوت. غير أن المتأمّل في مجريات تلك الندوة لا يملك إلا أن يسجّل ملاحظة جوهرية ومؤلمة في آنٍ معاً: الندوة جاءت خارج السياق الذي أعلنت أنها تعالجه. فبينما كان العنوان يَعِد بمواجهة حقيقية مع إشكالية منصات البث التدفقي وما تطرحه من أسئلة وجودية أمام الهوية الإبداعية الأفريقية، انزلق النقاش فعلياً نحو ملفات مألوفة ومُعادة: هشاشة التمويل، وضعف البنية التحتية، وغياب سياسات الدعم الحكومي. وهي إشكاليات حقيقية بلا شك، لكنها إشكاليات الأمس لا إشكاليات اللحظة الراهنة التي كانت الندوة مدعوّة للتفكير فيها، وهكذا ضاع الجوهر في متاهة المقدمات.

https://www.effectivecpmnetwork.com/z7j7y1ix?key=013a115a77c3f92e46d16177eb486016

ولعل أول ما ينبغي قوله بصراحة تامة هو أن الندوة الفكرية ليست ارتجالاً ولا مناسبة للتفكير بصوت عالٍ دون خارطة طريق واضحة. من يجلس إلى طاولة النقاش في موضوع بهذا الثقل والتعقيد ملزَم أخلاقياً وفكرياً بأن يُهيّئ نفسه تهيُّؤاً حقيقياً، بأن يقرأ ويبحث ويتحقق ويبني حججه على دلائل وبراهين ملموسة لا على انطباعات عائمة وعبارات إنشائية مكررة. الموضوع المطروح، أي تحديات السينما الأفريقية ومنصات البث التدفقي، موضوع تتوفر حوله دراسات ومعطيات وأرقام وتجارب موثقة من نيجيريا إلى كينيا إلى السنغال، ولا عذر لمتحدث أن يقف أمام جمهور أكاديمي وسينمائي ومهني ويتحدث بلغة فضفاضة لا تستند إلى شيء صلب. الندوة التي لا تُعدّ لها العدة المناسبة تخون موضوعها قبل أن تبدأ، وتضيع وقت حضورها في متاهات لا تُفضي إلى خلاصة.

والمشكلة الأعمق أن التيه الذي وقعت فيه الندوة لم يكن عارضاً وانما بدا بنيوياً، كأن المتحدثين انطلقوا دون أن يتفقوا أولاً على تعريف مشترك للإشكالية المطروحة. فمنصات البث التدفقي شيء، وأزمة التمويل شيء آخر، والتوزيع السينمائي المحلي شيء ثالث، وإن كانت هذه العناصر مترابطة فإن الخلط بينها دون منهجية واضحة ينتج خطاباً يبدو وكأنه يقول الكثير بينما لا يقول في الحقيقة شيئاً محدداً. الحديث عن ضعف التوزيع التقليدي وشُحّ قاعات السينما المحلية صحيح في مضمونه، لكنه اليوم يُشبه النقاش عن توزيع الأقراص المضغوطة في عصر سبوتيفاي. فمنصات البث لم تأتِ لتحلّ مشكلة التوزيع فحسب،  وانما جاءت لتُعيد رسم خارطة من يُنتَج وكيف يُنتَج ولمن يُنتَج، وهذا هو السؤال الحارق الذي تهرّبت منه الندوة وآثرت عوض أن تُبحر في المياه الدافئة المألوفة.

إن من يناقش موضوعاً كهذا يجب أن يصل إلى الطاولة وهو يعرف مثلاً أن نتفليكس ضخّت استثمارات في المحتوى الأفريقي لكنها في المقابل اشترطت صيغاً سردية وإيقاعات إنتاجية تنسجم مع ذوق جمهورها العالمي لا مع الخصوصية الجمالية للسينما الأفريقية. يجب أن يعرف أن خوارزميات التوصية لا تعمل بالتساوي وأن المحتوى الأفريقي يجد نفسه في قاع قوائم الاقتراح لأسباب هيكلية موثقة لا لأسباب تتعلق بجودته. يجب أن يكون على دراية بتجربة منصات البث الأفريقية المتخصصة كشوكاني وإيروكو وما واجهته من تحديات رأسمالية وتقنية وتسويقية في مواجهة العمالقة. هذه ليست معلومات ترفية وانما هي الحد الأدنى من التسلح المعرفي الذي يمنح المتحدث الحق في احتلال مقعده على المنصة. أما أن يترك المتحدث الأمور للصدفة ويقف أمام الجمهور بيده الفارغة من الحجج الدقيقة معتمداً على حماس الخطابة وبلاغة العموميات، فذلك ليس تواضعاً فكرياً  وانما إخلال بالعقد الضمني الذي تقوم عليه كل ندوة جادة.

والغريب أن الندوة التي أُقيمت تحت سقف واحد مع  54 تجربة سينمائية أفريقية متنوعة لم تطرح السؤال الأحرج: ماذا يعني أن يملك نتفليكس أو أمازون حق الاقتناء الحصري لفيلم أفريقي؟ وماذا يعني أن تفرض منصة عقوداً تشترط معايير سردية وجمالية وأحياناً لغوية على المشاريع قبل إنتاجها؟ هذا هو الثُقب الحقيقي في غلاف السينما الأفريقية اليوم، وقد مرّت الندوة فوقه دون أن تتوقف. فبدل أن تُجيب على سؤال كيف نُفاوض المنصات الكبرى من موقع القوة، وكيف نبني تشريعات تُلزمها بنسب محتوى محلي، وكيف نحمي المخرج الأفريقي من الاستعمار الجمالي المُقنَّع خلف منطق السوق، انشغلت بأسئلة كان يجب أن تكون قد حُسمت منذ عقود. وبين هذين المستويين من الأسئلة مسافة جيل كامل من النقاش السينمائي الأفريقي الذي كان يمكن أن تُراكمه هذه الندوة لو أنها تجرّأت على موضوعها الفعلي.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال نموذج نوليووود الذي كان يستحق أن يكون في قلب النقاش لا على هامشه. فهذه الصناعة التي بنت نظاماً توزيعياً ذاتياً من الصفر قبل أن تلتقطها المنصات الكبرى تطرح أسئلة جوهرية لا تحتمل التأجيل: هل أفادها الدخول إلى عالم البث الرقمي أم أعادها إلى دائرة التبعية بأدوات تقنية مختلفة؟ هل أسهمت المنصات في تطوير معاييرها الجمالية أم أفرغتها من جوهرها التجريبي؟ هذه أسئلة تحمل إجاباتها دروساً عملية قابلة للتطبيق والاستلهام من قِبَل باقي السينمائيين الأفارقة، وتغييبها من النقاش لا يمكن تفسيره إلا بأن الندوة لم تكن تعرف تماماً إلى أين تسير، وأنها تركت لنفسها حرية الضياع في موضوع أكبر منها بكثير.

وما جرى في هذه الندوة  في نهاية المطاف لم يكن مواجهة مع منصات البث التدفقي، وانما كان مواجهة مع الذات القديمة للخطاب السينمائي الأفريقي. السينما الأفريقية اليوم لا تحتاج إلى ندوة تُذكّرها أن التمويل شحيح والتوزيع معطوب، فهي تعرف ذلك منذ عقود وناضلت في مواجهته منذ فجر حركة فيسباكو. وما تحتاجه فعلاً هو نقاش مُعدّ له بعناية، محكوم بمنهج واضح، مسلّح بأرقام وتجارب وحجج لا تقبل الدحض، نقاش يعرف أين يبدأ وأين ينتهي ولا يترك أسئلته الكبرى للريح. ذلك النقاش كان غائباً عن خريبكة، والغياب أحياناً هو الكلمة الأوضح في المشهد. ضعوا المثقف في مكان الثقافة ولا تضعوا التاجر ليحاضر في شؤون المثقفين، فكلوا واشربوا هنيئا لكم.

#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #موقع_الناقد_الجديد #السينما_الإفريقية #مهرجان_خريبكة #السينما_الأفريقية #المنصات_الرقمية #الإنتاج_السينمائي #النقد_السينمائي #KhouribgaFilmFestival #AfricanCinema #StreamingPlatforms #CinemaCriticism #LeNouveauCritique #NewCriticSite

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings