عبدالرحيم الشافعي
يفتتح مهرجان كان السينمائي دورته التاسعة والسبعين في مايو 2026 وسط أجواء احتفالية كبرى على السجادة الحمراء في منتجع الريفيرا الفرنسية بحضور نجوم عالميين بارزين مثل جون ترافولتا الذي يقدم أول تجربة إخراجية له، وبجانبه باربرا سترايساند وبيتر جاكسون اللذين يتسلمان جائزة السعفة الذهبية الفخرية تكريمًا لمسيرتهما الفنية الطويلة، إذ يترأس المخرج الكوري بارك تشان-ووك لجنة تحكيم تضم نخبة من النجوم مثل ديمي مور وكلوي تشاو وستيلان سكارسجارد، فيما تتنافس 22 فيلمًا قوية على أرفع الجوائز، في حين يكشف هذا الحدث السينمائي العريق عن إشكالية جوهرية عميقة تتجاوز مجرد الاحتفاء بالأعمال الفنية إلى قلب الصراع المستمر بين استقلالية الإبداع الحقيقي والتوظيف السياسي المنهجي الذي بدأ يسيطر على أجواء المهرجان.
ويبرز هذا الحدث سيطرة قضايا غزة والمنفى والاحتلال والمعاناة الإنسانية على العديد من الأفلام المشاركة والتصريحات المصاحبة مما يجعل الدورة الحالية مختلفة تمامًا عن الدورات السابقة، إذ يثير كل ذلك تساؤلات وجودية حول قدرة المهرجان على الحفاظ على حياده الفني في زمن الاستقطاب السياسي الشديد الذي يعيشه العالم، بينما يتحول التركيز الإعلامي تدريجيًا من قيمة الأعمال السينمائية الجمالية إلى الجدل السياسي الحاد والمتصاعد، قد يعكس المهرجان في هذه الدورة حالة الانقسام العالمي الثقافي والسياسي بكل تناقضاته المؤلمة، ويضع نفسه أمام اختبار حقيقي حول مستقبله كمنصة فنية حرة أم ساحة للخطابات الأيديولوجية.
ويبرز مهرجان كان 2026 كأحد أعرق المهرجانات السينمائية في التاريخ الذي نشأ عام 1939 كرد فعل مباشر على هيمنة الفاشية في مهرجان البندقية واستمر بانتظام منذ عام 1946 كمنصة أطلقت مسيرات مهنية لامعة لعدد كبير من المخرجين العالميين مثل كوينتين تارانتينو وبونج جون هو، في حين يحتفل هذا العام بالذكرى الخامسة والعشرين لسلسلة “السريع والغاضب” بحضور فان ديزل ويفتتح بفيلم رومانسي فرنسي ويجذب أكثر من 15 ألف محترف في أكبر سوق أفلام عالمي. يشهد مع ذلك تحولاً خطيرًا وملحوظًا يجعل الخطاب السياسي يطغى بشكل متزايد على النقاش الفني البحت والتحليل الجمالي للأعمال المشاركة.
ويشارك في المسابقة الرسمية أعمال قوية لمخرجين كبار مثل بيدرو ألمودوفار وأصغر فرهادي وهيروكازو كوري-إيدا وريوسوكي هاماغوشي وباول بافليكوفسكي، إذ يندمج في كثير من هذه الأفلام الإبداع الفني العميق مع رسائل سياسية مباشرة مما يثير جدلاً واسعًا بين النقاد والمتابعين. يفقد المهرجان تدريجيًا توازنه التقليدي بين الحرية الفنية المطلقة والانحياز الأيديولوجي الواضح. يثير مخاوف حقيقية من تحول الفن إلى أداة سياسية تحت ستار التنوع الثقافي والإنساني.
وتشمل أعمالاً عربية وإيرانية وفلسطينية تركز بقوة على قضايا المنفى والاحتلال والمعاناة الإنسانية في مناطق النزاعات، في حين يتناول العديد من هذه الأفلام مواضيع الذاكرة الجماعية والحياة اليومية تحت الاحتلال بأسلوب فني راقٍ يعتمد على لغة سينمائية مقبولة، بينما يعزز هذا الحضور الواسع صورة مهرجان كان كمنصة عالمية مفتوحة أمام كل الأصوات والتجارب الثقافية المختلفة، في حين يثير في الوقت نفسه اتهامات حادة ومتكررة بالانحياز السياسي الانتقائي تجاه روايات معينة دون غيرها، إذ يغفل جوانب أخرى مهمة ومعقدة من الصراعات الدولية يجعل الخطاب العام يبدو غير متوازن في نظر الكثيرين. ويحول الفن السينمائي تدريجيًا إلى وسيلة تعبير قوية عن روايات سياسية محددة على حساب روايات أخرى مشروعة، كما يعكس أزمة هوية عميقة تعيشها المهرجانات السينمائية الكبرى في عصر الاستقطاب الحالي.
ويتجلى الطابع السياسي الواضح في تصريحات عضو لجنة التحكيم بول لافيرتي الذي هاجم بشدة صناعة هوليوود وممارساتها الانتقائية تجاه المواقف المعارضة، حينما يندد علنًا بالمقاطعة التي طالت ممثلين كبار مثل سوزان ساراندون وخافيير بارديم ومارك روفالو بسبب تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ويصف هذه المواقف بالشجاعة ويعلن تضامنه الكامل معهم في مواجهة الضغوط، كما يحول هذا التصريح جزءًا كبيرًا من النقاش العام من التحليل الفني إلى الجدل السياسي الحاد والمشتعل، ليعكس انقسامًا عميقًا ومستمرًا داخل صناعة السينما العالمية بأكملها، ويؤكد أن السياسة أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا وغير قابل للفصل عن هوية مهرجان كان المعاصر.
ويحتضن المهرجان أفلامًا عديدة تكرم ذكرى الصحفيين والمدنيين الفلسطينيين وتدين ما يُوصف بالإبادة في غزة. يشهد ضغوطًا خارجية متزايدة من رسائل مفتوحة ودعوات دولية متنوعة، إذ يدافع أعضاء لجنة التحكيم بقوة عن دمج السياسة بالسينما كجزء أصيل لا ينفصل عن الإبداع. يواجه انتقادات مبررة وحادة حول غياب التوازن في تغطية معاناة الضحايا من كل الأطراف، ويجعل الجدل السياسي أكثر حضورًا وتأثيرًا من المناقشات الفنية والجمالية البحتة. يحول المهرجان تدريجيًا إلى ساحة سياسية مفتوحة تحت غطاء فني راقٍ ومتميز، كما يثير مخاوف حقيقية وعميقة من استغلال الفن لخدمة أجندات أيديولوجية محددة.
ويطرح هذا السياق المتوتر إشكالية أساسية وحساسة حول حدود الفن السينمائي في عصر الاستقطاب السياسي الشديد الذي يعيشه العالم، في حين يجعل من مهرجان كان مرآة صادقة تعكس حال العالم المنقسم ثقافيًا وسياسيًا بكل تناقضاته المؤلمة، ليبرز التناقض الصارخ بين تاريخه العريق في دعم الحرية الفنية وبين الانحياز الواضح في بعض التصريحات والاختيارات، ويفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول استقلالية المهرجان أمام الضغوط الخارجية، كما يحافظ رغم كل ذلك على استضافة أصوات فنية متنوعة من مختلف قارات العالم، بينما يعكس طبيعة السينما كفن حي مرتبط ارتباطًا عضويًا بالواقع الاجتماعي والسياسي المحيط.
يؤكد تحول مهرجان كان نحو دور سياسي نشيط يتجاوز مهمته الفنية التقليدية بشكل واضح وملحوظ في هذه الدورة. يصبح الجدل السياسي أقوى تأثيرًا وأكثر حضورًا من قيمة الأفلام الفنية نفسها. يضع المهرجان أمام تحدٍ وجودي يتعلق بمستقبله ومصداقيته على المدى الطويل، في حين يفقد جزءًا مهمًا من جاذبيته كمنصة سينمائية محايدة ومهنية بحتة. يثير مخاوف متزايدة من تكرار هذا النمط في الدورات القادمة، إذ يجعل الجمهور العالمي يتساءل عن مدى صدق الاحتفاء بالفن والإبداع الحقيقي، ليحول الإبداع السينمائي إلى سلاح فعال في معارك أيديولوجية أوسع نطاقًا.
ويطرح هذا الحدث سؤالاً مركزيًا ومصيريًا حول مستقبل مهرجان كان كمنصة سينمائية عالمية، إذ يحدد الجواب على هذا السؤال مصداقيته وتأثيره في السنوات والدورات المقبلة، بينما يحتاج المهرجان إلى إعادة نظر جدية وعميقة في توازنه بين الفن والسياسة. يجب أن يحمي جوهر الإبداع من الاستغلال الأيديولوجي المباشر والمنهجي ويعيد التركيز الأساسي إلى القيمة الفنية للفيلم لا إلى الرسالة السياسية فقط، كي يستعيد ثقة الجمهور العالمي المتنوع ثقافيًا وسياسيًا ويحافظ على مكانته التاريخية كأيقونة للسينما العالمية الحرة والمستقلة
#مهرجان_كان_بين_الفن_والسياسة #كيف_انقسم_رواد_الفن_السابع_بين_مؤيد_للحرب_ومعارض_لها #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #مهرجان_كان











Leave a Reply