تنتصبُ مدينة تطوان في هذه الأيام شامخةً كمنارةٍ ثقافية تستقطبُ الأنظار من شتى أرجاء الوطن والعالم، إذ تحتضنُ بكل فخرٍ واعتزاز فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي الممتدة من العاشر إلى الثالث عشر من يونيو 2026، في موسمٍ يتمحور حول شعار “قضايا الهوية في الفيلم السينمائي الأمازيغي بشمال إفريقيا”. وفي قلب هذا الحد الذي يُجسّدُ التقاءَ الفن بالفكر والتاريخ بالراهن، يبرزُ حضورُ الفنان المغربي زكرياء عاطفي كواحدٍ من أبرز الوجوه التي تمنحُ هذه التظاهرة بُعداً إضافياً منالرصانة، حضورا يتجذّرُ في وعيٍ حقيقي بقيمة ما تمثّله هذه المناسبة من رهاناتٍ ثقافية وهوياتية وفنية لا يمكنُ تجاهلها في زمنٍ تتكاثرُ فيه التهديدات الموجّهة إلى الموروث والانتماء والذاكرة الجماعية التي تُشكّلُ عصبَ الهوية الحية.
يقفُ زكرياء عاطفي اليوم على أعتاب مسيرةٍ فنية ثرية متعددة الأوجه والمنابع، ترسّخَت بفضل مجهودٍ شخصي متواصل وشغفٍ لا يهدأ بالسينما بوصفها فنّاً رفيعاً. اشتُهرَ بأدوارٍ معقدة ذات بُعدٍ نفسي وإنساني بالغ الأثر في أعمالٍ مثل “الطريق الصحيح” و”الفرح الصغير” و”الدار البيضاء باي نايت”، فضلاً عن مسلسل “موعد مع المجهول” الذي كشفَ عن قدرتِه على الولوج إلى تضاريس الشخصية وحفرِ آبارٍ عميقة في مستوياتها الداخلية المتشابكة والمُتعارضة. كممثل ينأى بنفسه عن الأنماط الجاهزة والقوالب المُعلَّبة، إذ قدّمَ أدوار متعددة في توازنٍ دقيق لا يُجيدُه كلُّ من وطئَ أرضَ الأداء، ومسيرتُه لا تزال تتصاعدُ وتنضجُ في كل محطة جديدة تزيدُها بريقاً وعمقاً واتساعاً في الأفق الإبداعي.
انخرطَ زكرياء عاطفي باكرا بجدٍّ وتفانٍ في العمل مساعداً للإخراج في عددٍ من الإنتاجات السينمائية المغربية والدولية، من بينها تجاربُه إلى جانب المخرج سعيد الناصري وسواه من أسماء راسخة في المشهد السينمائي المغربي المعاصر. وهذا الجانبُ المزدوج من تكوينه وممارسته يمنحُه رؤيةً نادرة ومتكاملة تُتيحُ له استيعابَ دواليب العملية الإبداعية من أعقدِ زواياها، سواءٌ في ما يخصُّ علاقة الممثل بالشخصية أو ما يتعلقُ بديناميات التصوير وبنيةِ السرد البصري ومنطق القص الفيلمي العميق. كشريكٌ فاعل في بناء العمل الفني من لحظة الكتابة الأولى حتى آخر إطارٍ من اللقطة الختامية، وهذا ما يجعلُ صوتَه ذا ثقلٍ حقيقي حين يُدلي برأيه في أيّ مسألةٍ تتصل بالصناعة السينمائية ومسارات تطوّرها وآفاق انفتاحها.

ويحضرُ زكرياء عاطفي في مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي بوصفه مثقفا يساهم في بناء الخطاب الثقافي الذي تُؤطِّرُه هذه التظاهرة وتسعى إلى ترسيخه في وجدان المتلقي. كما تتميّزُ مداخلاتُه في الندوات واللقاءات المفتوحة بصراحةٍ مُحسوبة وعمقٍ فكري غير مُتكلَّف، إذ يتناولُ الهشاشةَ التي تُعانيها قاعاتُ السينما أمام اكتساح التوجهات التجارية الطاغية، ويتحدثُ بوجعٍ أصيل عن تراجعِ بعض الفضاءات الثقافية التي كانت يوماً ما حارسةً على الروح الجماعية للمجتمع. كما يُركّزُ في مداخلاتِه على الدور المحوري الذي يمكنُ أن تضطلعَ به اللغةُ الأمازيغية داخل الأعمال الفنية السينمائية، بوصفها وعاءً حياً ناضجاً يحملُ تجارب الإنسان الأمازيغي في كامل ثقلها الوجودي وعمقِها الحضاري المتجذّر عبر الأجيال والقرون المتعاقبة.
يحملُ زكرياء عاطفي قناعةً راسخةً لا تتزعزعُ مفادُها أن الفيلمَ السينمائي هو أداةٌ بالغةُ الفاعلية لصناعة الحوار الثقافي بين الشعوب والمجتمعات المتشاركة في الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. ومن هذا المنطلق يُؤمنُ إيماناً عميقاً بأن السينما الأمازيغية تحملُ مسؤوليةً تتخطّى حدودَ الإمتاع لتبلغَ آفاقَ التوثيق والشهادة والمساءلة الحضارية في صياغة الذاكرة الجماعية لشعوب شمال إفريقيا وتجديد صلتها بجذورها الأمازيغية الممتدة في عمق القرون. ولذلك يُشدّدُ في كل مناسبة على ضرورة دعم الإنتاجات السينمائية التي تنطلقُ من صميم البيئة المحلية وتُعبّرُ عن خصوصياتها الجمالية والإنسانية دون خجلٍ أو تقليدٍ أعمى لنماذجَ مستوردةٍ لا تعكسُ روحَ هذا الشعب ولا تُؤمنُ بقدرِه الإبداعي المستقل والمتفرّد والقادر على إضافة صوتٍ أصيل إلى الخريطة السينمائية العالمية.
لا يُضيّعُ زكرياء عاطفي فرصةً متاحةً دون أن يُوجّهَ فيها كلمةً صادقةً وحارةً إلى الجيل الصاعد من المبدعين والمهتمّين بالصناعة السينمائية، ذلك الجيل الذي يُشكّلُ في نظرِه الرهانَ الأكبر والأمل الأجدرَ بالاستثمار والرعاية الحقيقيين. إذ يُشجّعُ الشبابَ على الانخراط الجاد في مسارات التكوين السينمائي المتاحة ويُذكّرُهم بأن الطريقَ إلى السينما الحقيقية لا يمرُّ عبر الاختصارات ولا يُبنى على الأوهام والأضواء الزائفة، وإنما يستلزمُ صبراً استراتيجياً وفضولاً فكرياً لا يتوقّفُ ومحبةً حقيقيةً للفن تسبقُ أي اعتبارٍ آخر. ويُلحّ على ضرورة أن يُصغيَ هؤلاء الشبابُ إلى صوت بيئتهم وذاكرتِهم الجماعية قبل أن ينصتوا إلى أيّ نموذجٍ خارجي بارد، لأن أصدقَ الحكايات هي تلك التي تنبعُ من الجرح الحقيقي والعيش المُعاش لا تلك التي تُستعارُ من مرجعياتٍ تفتقرُ إلى دفء الانتماء وصدق التجربة الإنسانية المتجذّرة في التراب والهواء والذاكرة.
#الناقد_الجديد #زكرياء_عاطفي #مهرجان_الريف_الدولي_للفيلم_الأمازيغي #الدورة_الثامنة #تطوان #السينما_الأمازيغية #الفيلم_الأمازيغي #الهوية_الأمازيغية #قضايا_الهوية #الثقافة_الأمازيغية #الفن_والثقافة #المشهد_السينمائي_المغربي #مساعد_مخرج #ممثل_مغربي #السينما_المغربية #شمال_إفريقيا #التكوين_السينمائي #الشباب_والسينما #الإبداع_الفني #الذاكرة_الجماعية #اللغة_الأمازيغية #التراث_الثقافي #السينما_والهوية #المهرجانات_السينمائية #المغرب_الثقافي











Leave a Reply