عبدالرحيم الشافعي
تستعد مدينة طنجة لاحتضان حدث ثقافي وفني غير مسبوق مع انطلاق الدورة الأولى من مهرجان “فوتو طنجة” الدولي للصورة، الذي يفتح أبوابه أمام المصورين والفنانين والباحثين والمهتمين بالفنون البصرية من مختلف أنحاء العالم. ويأتي هذا الموعد الثقافي الجديد ليؤكد المكانة المتنامية التي تحتلها المدينة على خارطة الإبداع والفنون، مستفيداً من تاريخها العريق كفضاء للقاء الحضارات والثقافات، ومن موقعها الاستثنائي الذي جعل منها جسراً بين القارات ومعبراً للأفكار والتجارب الإنسانية المتنوعة.
ويؤكد جمال سويسي، مدير إنتاج مؤسسة فوتو طنجة، أن المهرجان هو ثمرة رؤية تؤمن بقوة الصورة في بناء جسور التواصل بين الشعوب. ويقول في هذا السياق: “وُلد هذا المهرجان من إيمان راسخ بأن الصورة لغة كونية تتجاوز الحدود وتجمع البشر. نسعى إلى بناء فضاء حقيقي للتبادل والحوار بين الفنانين والجمهور في قلب مدينة طنجة المنفتحة على العالم”. ويبرز هذا التصور الطموح رغبة المنظمين في تحويل المهرجان إلى منصة دولية للحوار البصري، تتيح للمبدعين والجمهور فرصة الالتقاء حول قضايا الفن والهوية والذاكرة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.
ويستحضر المهرجان في دورته الأولى شعار “نداء البحر الواسع”، وهو شعار يحمل دلالات عميقة مرتبطة بتاريخ طنجة وهويتها الجغرافية والثقافية. فالمدينة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ظلت عبر القرون نقطة عبور وتلاقح حضاري، الأمر الذي يجعل من البحر رمزاً للانفتاح والسفر واكتشاف الآخر. ومن خلال هذا الشعار، يدعو المهرجان إلى التأمل في معاني الحركة والتنقل والتبادل الثقافي، وإلى استكشاف الكيفية التي تعكس بها الصورة الفوتوغرافية هذه التحولات الإنسانية المستمرة.
ويجمع البرنامج الرسمي للمهرجان أسماء بارزة من عالم التصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية، إلى جانب مفوضي معارض ومفكرين وصحفيين ومتخصصين في الثقافة والإعلام. وتتنوع الأنشطة بين معارض فنية فردية وجماعية تعرض تجارب بصرية من مختلف القارات، وندوات فكرية تناقش قضايا الصورة المعاصرة، فضلاً عن لقاءات مفتوحة تتيح للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع الفنانين والمهنيين المشاركين.
ويطرح المهرجان سلسلة من النقاشات والحوارات التي تركز على التحولات التي تعرفها الممارسة الفوتوغرافية في العصر الرقمي، وعلى دور الصورة في توثيق الواقع وصناعة الذاكرة الجماعية والتأثير في الرأي العام. كما تشكل هذه اللقاءات فضاءً لتبادل الخبرات والتجارب بين محترفي الصورة والجيل الجديد من المبدعين، بما يقوي فرص التعلم والتكوين والانفتاح على مدارس وتجارب فنية متعددة.
ويفتح هذا الحدث الثقافي أبوابه أمام الجمهور الواسع وليس فقط أمام المتخصصين، انسجاماً مع رؤية المنظمين الرامية إلى جعل الثقافة البصرية جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين. فالمهرجان يسعى إلى تقريب الفن الفوتوغرافي من مختلف الفئات الاجتماعية، وإلى ترسيخ ثقافة الصورة باعتبارها وسيلة للتعبير والحوار والتفكير النقدي، قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.
ويطمح القائمون على “فوتو طنجة” إلى أن تتحول هذه التظاهرة إلى موعد سنوي دولي يرسخ حضور طنجة ضمن أبرز المدن المحتضنة للفنون البصرية في منطقة المتوسط والعالم العربي، وأن يساهم في تعزيز الإشعاع الثقافي للمدينة وإبراز طاقاتها الإبداعية. كما يراهن المهرجان على بناء شبكة من التعاون والشراكات الدولية التي تجعل من الصورة جسراً دائماً للتواصل بين الشعوب والثقافات، وتجسد فعلياً الرسالة التي انطلق منها هذا المشروع الثقافي الطموح.
تتجلى القيمة الفنية الفائقة للبرمجة السينمائية في “طنجة صورة المهرجان الدولي للصورة” من خلال خلق تقاطعات حية بين السينما والفوتوغرافيا كأداتين للتعبير البصري وإعادة تفكيك الصورة وسياقاتها. إن اختيار فضاء “سينما ألكازار” العريق لاحتضان هذه العروض يضفي بُعداً تاريخياً يربط ذاكرة المكان بالرؤى الإبداعية الحديثة.
وتكتسي هذه العروض أهمية استثنائية من خلال الحرص على حضور المخرجين وصناع السينما لمناقشة الخيارات البصرية والجمالية؛ وسيظهر هذا يوم 19 يونيو في عرض فيلم “زنقة مالقة” (2025) بحضور مخرجته مريم التوزاني، ليفتح نقاشاً تفاعلياً نادراً حول جماليات ضبط الكادر، وزوايا الإضاءة، والإخراج كمحرك أساسي للنص البصري. ويتكامل هذا النقاش الجيلي عبر الأيام التالية؛ حينما سيُعرض يوم 20 يونيو فيلم المخرجة الرائدة فريدة بنليزيد “الحياة البائسة لخوانيتا ناربوني” (2005)، متبوعاً بيوم 21 يونيو بعرض فيلم “مرجانة” للمخرج جمال السويسي.
إن هذا الحوار المفتوح بين المخرجين، ومدراء التصوير، والجمهور سيحول فضاء المهرجان إلى مختبر فكري متميز يتتبع تطور “العين السينمائية المغربية” وعلاقة الصورة الثابتة بالمتحركة.
#فوتو_طنجة #مهرجان_فوتو_طنجة #نداء_البحر_الواسع #الصورة_لغة_كونية #جمال_سويسي #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الفني #الناقد_الجديد #طنجة #الصورة_الفوتوغرافية #السينما_المغربية #الفنون_البصرية #الثقافة_والإبداع













Leave a Reply