عبدالرحيم الشافعي
يشهد الفن البصري المغربي منعطفاً حاسماً حين تتقاطع رؤيتان متناقضتان على رصيف مارينا طنجة. المعرض المنظم في السابع عشر من يونيو، كاستفتاء جمالي حول طبيعة الرؤية والفن. يقدّم نموذجاً نادراً من التقابل الإبداعي بين فنانين اختارا الحفر الفني في الذاكرة البصرية. يجسد المهرجان تطلعاً متزايداً لرفع مستوى الخطاب الفني إلى أفق عالمي. اختيار رصيف المارينا يحمل دلالة رمزية قوية: حد فاصل وملتقى متزامن بين عوالم متعددة. طنجة بتاريخها العريق تستعيد دورها كفضاء للحوار والتبادل الفني. يضم المعرض أعمال خليل نعمّاوي وياسين العلوي إدريسي (يوريياس)، قمم الفن البصري المعاصر.
وافتتح المعرض في سياق احتفائي حاشد جمع النخب الفنية والنقاد والمتذوقين. حضور متنوع من أوساط فنية مختلفة يبرز إدراكاً متنامياً بأهمية الفوتوغرافيا كوسيط فني جدير بالدراسة العميقة. ويكشف الحدث عن رغبة جادة في فتح حوار حقيقي حول الفن والرؤية. يجتمع فنانون يسعون لفهم عميق لقيمة العمل الفني ومعناه. إذ يصبح المعرض نقطة تحول في مسار الفن المغربي. ويبرز استعادة الفوتوغرافيا كفن رفيع بعيداً عن الاستهلاك السريع. يمثل الحدث رفضاً واضحاً لتسطيح البصري والتقليل من قيمة الفن.
ويكشف عمل خليل نعمّاوي عن علاقة عميقة مع البحر لا تستنزفها الكليشيهات السياحية. البحر كفضاء وجودي، حقل استقصاء فلسفي حين تتقاطع الذاكرة والزمن والرغبة. وتستحضر صوره البحر طبقات متعددة: البحر الاقتصادي للصيادين، البحر النرجسي للهروب، البحر الميتافيزيقي للأفق اللامحدود. ويوضح الفنان: “الاهتمام بالبحر يتجاوز الأنشطة العادية… هناك رؤية على الأفق ومنظور يتجاوز ذاتك”. وهذا التعريف يفصح عن التعقيد الفني الذي يحركم عمله.
ويسلك ياسين العلوي إدريسي (يوريياس) مساراً مختلفاً لكن بنفس الجدية الفنية. حيث ينظر نمّاوي للأفق البحري اللامحدود، ينظر يوريياس للشارع والحياة اليومية. الشارع مختبر اجتماعي حيث تتقاطع الروايات والحركات والأجسام. ويركز على تلك اللحظات الصغيرة التي تمر دون ملاحظة: حركة فجائية، تقاطع غير متوقع، لعب ضوء على جدار قديم، تعبير صادق على وجه عابر. والفوتوغرافيا كوسيط تفسيري يعيد تشكيل الواقع يصل إلى طبقات متعددة من المعنى في كل صورة.
ويجمع يوريياس بين الموضوع الحرفي المباشر وطبقات معنى مختلفة. فهناك الموضوع الأول: شخص أو مكان أو حدث. تحته طبقة ثانية: كيفية توضيب العناصر واختيار الإطار وإدارة الضوء. ثم الطبقة الثالثة: البعد الاجتماعي الذي يجعل الصورة شاهداً على حالة اجتماعية. يسعى لـ “إعادة تمكين الشارع» برفعه لمستوى الفن الرفيع. الحياة العادية تصبح مادة فنية جادة. يستخدم اللون والتركيب بطريقة تعطي اللقطات بعداً سينمائياً. صوره تشعر كلقطات مجمدة من فيلم طويل عن المدينة والحياة. هناك سرد مرئي محكم وتوترات نفسية تحت السطح الهادئ.
ويختار سوريياس الجلبة والتعقيد والفضاء المكتظ. الأول يؤمن بأن الفن يقودنا بعيداً نحو الكلي. الثاني يعيدنا للحاضر واللحظة المباشرة. لكن تحت هذا التقابل هناك تقاطع. كلاهما يسعى للحقيقة لكن حقائق مختلفة. فنعمّاوي يبحث عن الحقيقة الميتافيزيقية الكامنة تحت السطح. ويوريياس يبحث عن الحقيقة الاجتماعية في التفاصيل اليومية. كلاهما يرفض الزيف الجمالي والتسطيح البصري. كلاهما يؤمن بقوة الفوتوغرافيا كفن جاد.
ويظل التحدي الأساسي ليوريياس تجنب الوقوع في فخ الفوتوغرافيا الاجتماعية التقليدية. وتجنب الصورة المثيرة للعاطفة السريعة والسهلة. القوة الحقيقية في عمله تكمن في إيجاد غير المتوقع في العادي. البصري المثير يكمن في التفاصيل الصغيرة والدقيقة. طالما احتفظ بهذا التوازن ستبقى أعماله ذات صلة وقوة. سيحافظ على تأثيرها في الذاكرة والروح.
ويجسد كل من نعمّاوي ويوريياس الاقتناع بأن الفوتوغرافيا تفسير فني مفيد للعالم والإنسان. وللفنان مسؤولية فكرية وأخلاقية حقيقية تجاه ما يختار تصويره. الفن الحقيقي يتطلب جرأة: جرأة لرؤية ما لم يره الآخرون. جرأة لطرح أسئلة بلا إجابات سهلة. جرأة لرفض الكليشيهات والمسارات المرسومة. في عالم مشبع بالصور، يأتي هذان الفنانان ليقولا حقيقة مهمة. هناك طرق أخرى للرؤية. هناك فن حقيقي يستحق وقتك وانتباهك.
وهذا هو الدرس الحقيقي للمعرض: ليس ما نرى وإنما كيفية تعلّم النظر من جديد. كيفية استرجاع القدرة على الرؤية الصادقة في عالم يحاول أن يفقدنا إياها. وكيفية إدراك أن الفن حوار حقيقي بيننا وبين العالم. وحوار بيننا وبين أنفسنا. وحوار لا ينتهي ودائم التجدد.
#خليل_نعمّاوي #ياسين_العلوي_إدريسي #يوريياس #مارينا_طنجة #فوتو_طنجة #التصوير_الفوتوغرافي #الفن_البصري #الفوتوغرافيا_المغربية #طنجة #المغرب #المعرض_الفني #النقد_الفني #الرؤية_البصرية #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد











Leave a Reply