عبدالرحيم الشافعي
تطرح متلازمة الاعتراف المتأخر وعقدة الاعتراف بالأجنبي إشكالاً عميقاً داخل الوسط السينمائي والتلفزيوني والمسرحي المغربي، حينما يجد المبدع نفسه عالقاً بين إهمال داخلي وانتظار تقدير خارجي يمنحه شرعية الوجود. وتكشف هذه الظاهرة عن مفارقة مؤلمة تتمثل في أن الفنان لا يُحتفى به في بيئته الطبيعية إلا بعد أن يُزكَّى من الخارج أو يرحل عن الحياة، وكأن القيمة لا يُعترف بها إلا بشهادة الآخر. وتضع هذه الوضعية رواد الفن المغربي أمام تساؤلات حارقة حول معنى الانتماء الثقافي وحدود الثقة في الذات الفنية الوطنية.
وتثير هذه الإشكالية تساؤلات كثيرة حول أسباب ربط الاعتراف المحلي بنظيره الأجنبي: فهل يعود ذلك إلى إرث ثقافي ونفسي، أم إلى اختلالات بنيوية داخل مؤسسات الإنتاج والتلقي؟ وتعمّق هذه الممارسات فجوة الثقة بين الفنان ووسطه، وتدفعه أحياناً إلى البحث عن الاعتراف خارج الوطن كخيار وحيد للنجاح. فهل تعتبر متلازمة الاعتراف المتأخر اضطراباً نفسياً جماعياً مرتبطاً بعقدة النقص تجاه الآخر الأجنبي؟ وإلى أي حد يُعبّر تجاهل المبدع المحلي في حياته عن خوف لا واعٍ من المنافسة وفقدان المكانة داخل الوسط الفني؟ وهل يرتبط الاعتراف بالأجنبي بإحساس داخلي بعدم كفاية الإنتاج المحلي، أم أنه نتيجة تراكمات ثقافية وتاريخية؟ أم يُمكن تصنيف هذا السلوك ضمن أنماط النفاق الاجتماعي أو الازدواجية القيمية في التقدير؟ وكيف يمكن تفسير تحول الاعتراف المتأخر إلى آلية لتخفيف الشعور بالذنب الجماعي بعد فوات الأوان؟
وتُعد متلازمة الاعتراف المتأخر من أخطر الظواهر الاجتماعية والنفسية التي تضرب الوسط الفني المغربي بشكل متكرر ومؤلم، حينما يعيش الفنان رحلة طويلة من العطاء دون أن ينال ما يستحقه من تقدير واعتراف حقيقيين. وتجسد هذه الظاهرة تناقضاً صارخاً بين حياة الفنان المليئة بالتهميش والمعاناة وبين صورته بعد الرحيل حين يتحول إلى رمز يُحتفى به ويُشاد بإبداعه. وتُبرز هذه المفارقة خللاً عميقاً في منظومة القيم داخل الوسط الفني، إذ يُقابل الإبداع بالصمت والتجاهل عوض التشجيع والدعم، بينما تعمل هذه السلوكيات على خلق بيئة سامة تُضعف الروابط الإنسانية وتُؤجج مشاعر الحسد والمنافسة غير الشريفة بين الفنانين.
وتعمّق معاناة المبدع الذي يجد نفسه وحيداً في مواجهة المرض أو الفقر أو الإقصاء دون سند حقيقي من زملائه، كما تُفرغ هذه الممارسات الفن من بعده الإنساني وتحوله إلى ساحة صراع عوض أن يكون فضاءً للتعبير والتعاون. وتُكرّس هذه الدائرة المأساوية واقعاً يتكرر مع كل جيل جديد، حينما يُهمَّش الفنان في حياته ويُمجَّد بعد وفاته. ويتعمد العديد من الفاعلين في المجال الفني التقليل من قيمة زملائهم الأحياء، إما بدافع الغيرة أو خوفاً من بروز أسماء جديدة قد تُهدد مواقعهم. وهذا يُنتج جواً من الصمت المتعمد تجاه أي نجاح يستحق الإشادة، كما يتحول هذا التجاهل إلى سلوك جماعي غير معلن يُمارس عبر الإقصاء أو تهميش الإنجازات أو عدم التفاعل معها. ويُترك الفنان ليواجه مصاعب الحياة وحده، خاصة في لحظات المرض أو الأزمات، دون دعم معنوي أو مادي حقيقي، كما تغيب المبادرات الإنسانية البسيطة مثل الزيارة أو السؤال، وهذا يبرز برودة العلاقات داخل هذا الوسط.
ويتعرض بعض المبدعين لحملات تشويه خفية تُقصيهم من فرص العمل وتُضعف حضورهم الفني. ويتناسى الزملاء تاريخ العمل المشترك، وكأن الذاكرة الجماعية تُمحى حين يتعلق الأمر بالاعتراف بالفضل. ويشهد الجميع فجأة بموهبة الفنان وقيمته الفنية بعد وفاته، في اعتراف لا يعود عليه بأي نفع حقيقي. حينها يروي المقربون قصصاً عن أخلاقه وإبداعه، رغم أنهم لم يُظهروا هذا التقدير خلال حياته. ثم تتحول الجنازات والتأبينات إلى فضاءات لإلقاء كلمات مؤثرة تُخفي في طياتها شعوراً بالذنب أو المجاملة الاجتماعية، بينما يُعلن الحاضرون أن الراحل كان عبقرياً لم يُنصف، في تكرار لعبارات لم تُقال له وهو حي. فيندم البعض على فرص ضائعة كان يمكن أن تجمعهم به، دون الاعتراف بدورهم في هذا الإهمال. كما تستمر هذه الظاهرة دون مراجعة حقيقية، وكأن الدروس لا تُستخلص من التجارب السابقة.
ويُفقد هذا السلوك الثقة بين الفنانين، فيصبح كل فرد حذراً في تعامله مع الآخرين خوفاً من الخذلان أو الإقصاء، بينما تُغذى مشاعر الغيرة والحسد فيتحول النجاح إلى مصدر تهديد عوض أن يكون دافعاً للتطوير والإبداع. وتُضعف روح التعاون، ويصعب بناء مشاريع مشتركة في بيئة يغيب عنها الدعم الصادق والتقدير الحقيقي. كما تُهدر الطاقات الإبداعية بسبب غياب الاعتراف والتحفيز في الوقت المناسب، فيتراجع مستوى الإنتاج الفني نتيجة غياب بيئة صحية تشجع على الابتكار والتجديد. فيُصاب الفنان بإحباط متراكم يجعله يفقد الحماس ويُعيد النظر في استمراره في المجال.
ويحتاج الوسط الفني إلى الاعتراف بوجود هذه المشكلة دون تبرير أو إنكار، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو التغيير الحقيقي. إذ يتعين على الفنانين دعم بعضهم البعض بشكل عملي من خلال التشجيع والتعاون والمساندة في الأزمات اليومية. يجب أن يُقدَّم التقدير في وقته الطبيعي، حين يكون له أثر إيجابي على نفسية الفنان ومسيرته. وتشجع المبادرات الإنسانية مثل زيارة المرضى والتواصل المستمر على تعزيز الروابط الحقيقية بين المبدعين. في حين يتطلب الإصلاح التعلم من التجارب السابقة والعمل على تفادي تكرار نفس الأخطاء المؤلمة، لأن ذلك يُساهم في بناء علاقات قائمة على الاحترام وخلق بيئة فنية صحية ومثمرة. يُعيد هذا التحول الاعتبار لقيمة الإنسان ويجعل الفن مجالاً للارتقاء لا للنفاق.
ويكشف التحليل النفسي أن هذا السلوك نابع من شعور داخلي بعدم الأمان لدى بعض الأفراد في الوسط الفني، وهذا يدفعهم إلى إقصاء الآخرين بشكل غير مباشر. كما يظهر كعجز عن تقبل نجاح الآخرين أو الاحتفاء بهم بشكل صادق أثناء حياتهم، ويترسخ كآلية دفاعية لحماية الذات من الإحساس بالمنافسة أو التهديد المستمر. وينتج سلوكيات نفاقية تُخفي وراءها توتراً داخلياً وصراعاً مع الذات، وهذا يُضعف الضمير المهني ويجعل التجاهل يبدو مبرراً في بعض السياقات. كما يولد شعوراً متأخراً بالذنب يظهر فقط في لحظات الفقد دون أن يُغير الواقع. ويحتاج هذا المرض إلى علاج يبدأ بالوعي الذاتي وتبني قيم التقدير المبكر والتعاون الحقيقي.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #التجاهل_المتعمد_ومتلازمة_النكران_مرض_نفسي_يشل_حركة_رواد_السينما_والتلفزيون_المغربي











Leave a Reply