عبدالرحيم الشافعي
يُعدّ حسن بنجلون أحد أبرز روّاد السينما المغربية المعاصرة وأغزر مخرجيها إنتاجًا، إذ حوّل شغفه بالفن السابع إلى أداة نضالية جريئة تكشف الجراح الاجتماعية والتاريخية للمجتمع المغربي بكل أبعادها الإنسانية والسياسية والروحية، ليجعل من السينما وسيلة لمساءلة الذاكرة الجماعية والسلطة والقمع والحب والفقدان والتسامح. ويبني المخرج مشروعا سينمائيا مستقلا تماما يتولى فيه كتابة السيناريو والإنتاج والإخراج بنفسه، ليمنحه حرية كاملة في اختيار قضايا حساسة وتابوهات مجتمعية لا تُطرح عادة في السينما التجارية. ويتميز أسلوبه بكونه سينما مؤلف واقعية درامية، تتخللها لمسات شعرية تأملية وإيقاع بطيء يعتمد على اللقطات الطويلة والإضاءة الطبيعية أو المظلمة حسب السياق، ويوظف الذاكرة كأداة مقاومة تواجه الحاضر بأخطائه وصمته وتناقضاته. ويستلهم بنجلون من تجاربه الشخصية والتاريخ المغربي: سنوات الرصاص، والهجرة، وحقوق المرأة، والنسيان الثقافي، والفوارق الطبقية، والأزمات الوجودية، ليطرح أفكارًا عميقة حول الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والتسامح الصوفي، فيجعل كل فيلم من أفلامه دفاتر اعتراف جماعي يفتح مساحات الظل في الوعي المغربي ويدافع عن روح الإنسان في مواجهة الإقصاء والقمع والنسيان.
ويرسم فيلم “عرس الآخرين” (1990) أولى لوحاته السينمائية الطويلة بأسلوب تأملي اجتماعي يعتمد على الإيقاع البطيء والتصوير الواقعي للأمكنة التقليدية، إذ يستكشف بنجلون فكرة الآخر كمرآة للذات الجماعية من خلال قصة زفاف قسري يجمع بين عائلتين مختلفتين طبقيا وثقافيا. ويحفر هنا في التيمات الأساسية لمشروعه، مثل الصراع بين التقاليد المحافظة والرغبات الفردية، ومعاناة المرأة في مجتمع يعلي الجماعة على حساب الفرد، والهوية كقضية مركزية في زمن التحولات الحداثية، بينما يوظف المخرج الحوارات اليومية واللقطات المقرّبة على الوجوه ليكشف التناقضات الداخلية للشخصيات، فيطرح أفكارًا جريئة حول الانتماء والطبقية والحرية الشخصية كأساس لأي تقدم اجتماعي.
ويستلهم فيلم “ياريت” أو “زمن أغنية” (1993) من التراث الشعبي المغربي ليبني دراما موسيقية تعيد اكتشاف الذاكرة الثقافية بأسلوب يمزج بين الواقعية والشعرية السينمائية، حين يوظف بنجلون الأغنية كرمز للصمود والحنين والتعبير عن الذات في بيئة محافظة لا تتقبل صوت المرأة. ويتعمق هنا في تيمات علاقة الفن بالسلطة والنسيان الثقافي، ودور الفنان في مقاومة الاندثار الجماعي، والصراع بين الإبداع الفردي والقيود الاجتماعية، إذ يعتمد الأسلوب على الإيقاع الموسيقي الذي يتداخل مع الصورة ليحوّل القصة إلى تأمل فلسفي في زمن التحولات الاجتماعية، فيطرح أفكارًا عميقة حول حفظ الهوية الجماعية عبر الفن كوسيلة للمقاومة الثقافية ضد السلطة والنسيان.
يحفر فيلم “أصدقاء الأمس” (1998) في علاقات الصداقة والخيانة والزمن الذي يمحو الروابط القديمة بأسلوب نفسي درامي يعتمد على الحوارات العميقة والإضاءة الخافتة ليخلق جوًا من التوتر الداخلي والتأمل في الماضي، كما يستكشف بنجلون هنا تيمات النسيان الشخصي كانعكاس للنسيان التاريخي، وأهمية الذاكرة كأداة للمصالحة أو المواجهة مع الذات والآخرين. ويوظف بنجلون اللقطات الطويلة والصمت البصري ليبني طبقات نفسية معقدة، ويطرح أفكارا حول الزمن كقوة محايدة تكشف الضعف الإنساني والحاجة إلى الاعتراف بالماضي لمواجهة الحاضر بصدق.
أما فيلم “شفاه الصمت” (2001) فيواجه قضايا المرأة والصمت الاجتماعي بجرأة نادرة من خلال أسلوب واقعي يركز على الجسد والصوت المكبوت واللقطات المقرّبة المتوترة. ويستخدم بنجلون الإيقاع الدرامي الحاد ليكشف آليات القمع داخل الأسرة والمجتمع، فيتعمق في تيمات تحرر المرأة كشرط أساسي لتقدم المجتمع كله، والصمت كشكل من أشكال العنف المؤسسي، ويطرح أفكارًا جريئة حول الجسد الأنثوي كساحة صراع بين الرغبة والقمع، والحاجة إلى كسر الصمت لاستعادة الكرامة الإنسانية.
ويحاكم فيلم “محاكمة امرأة” (2002) النظام القانوني والاجتماعي الذي يحكم على المرأة بأسلوب درامي قضائي يعتمد على التوتر السردي والحوارات الحادة والكاميرا كشاهد محايد، إذ يوظف بنجلون الإضاءة القاسية والإيقاع المتسارع ليكشف التناقضات بين القانون الرسمي والعدالة الإنسانية، فيطرح تيمات التمييز على أساس النوع الاجتماعي والحقوق النسوية كقضايا مركزية، ويتعمق في أفكار حول العدالة كمفهوم نسبي يخضع للضغوط الاجتماعية، والحاجة إلى إصلاح النظام القضائي ليصبح أداة تحرر لا قمع.
ويصور فيلم “ولد الدرب” (2002) حياة الأحياء الشعبية بأسلوب كوميدي درامي خفيف يخفي تحت سطحه نقدًا اجتماعيًا حادًا يعتمد على الحوارات اليومية والتصوير الطبيعي للأزقة الضيقة، إذ يستلهم بنجلون الواقع اليومي للطبقات الوسطى والفقيرة ليطرح تيمات الصداقة والطموح في مجتمع يعاني من البطالة والفوارق الطبقية والضغوط الاقتصادية. ويوظف الفكاهة كأداة لكشف المأساة الاجتماعية، فيبني أفكارًا حول الكرامة الإنسانية في مواجهة الفقر والإقصاء كعناصر تشكل الهوية الجماعية للشباب المغربي.
ويُجسد فيلم “الغرفة السوداء” أو “درب مولاي الشريف” (2004) ذروة التزامه السياسي بأسلوب واقعي قاسٍ يعتمد على التصوير المظلم واللقطات الطويلة والصمت الثقيل ليحول الشاشة إلى زنزانة تاريخية صادمة، إذ يستلهم بنجلون رواية جواد مديدش الحقيقية عن سنوات الرصاص ليكشف التعذيب والاعتقال السياسي والقمع النفسي. ويتعمق المخرج في تيمات الذاكرة الوطنية والمصالحة مع الماضي كشرط للبناء المستقبلي، ويطرح أفكارًا عميقة حول الجرح الجماعي الذي لا يندمل إلا بالاعتراف، والمقاومة الداخلية للإنسان حتى في أقسى الظروف.
يمزج فيلم “للأزواج فقط” (2006) بين الكوميديا والدراما الاجتماعية لينتقد المؤسسة الزوجية بأسلوب خفيف ساخر يعتمد على الحوارات اليومية والإيقاع الخفيف الذي يخفي التوتر العميق. ويستكشف بنجلون التناقضات داخل العلاقات الزوجية في المجتمع المغربي، فيطرح تيمات الحرية الفردية مقابل الضغوط الاجتماعية والتقاليد الزوجية. كما يوظف الفكاهة كمرآة للتناقضات الإنسانية، فيبني أفكارًا حول الحب كعلاقة متساوية لا تخضع للقيود الاجتماعية، والحاجة إلى إعادة النظر في نموذج الزواج التقليدي.
ويروي فيلم “فاين ماشي يا موشي؟” (2007) قصة هجرة اليهود المغاربة بأسلوب تاريخي إنساني يعتمد على التصوير الطبيعي والإيقاع العاطفي الدافئ واللقطات الواسعة للمناظر. ويوظف بنجلون الذاكرة الجماعية ليطرح تيمات الهوية والانتماء والفقدان في سياق تاريخي أوسع يتعلق بالتعايش اليهودي المغربي. كما يتعمق في أفكار حول الحلم الإنساني والوجدان المشترك، والحاجة إلى الحفاظ على الذاكرة المشتركة كجسر بين الماضي والحاضر رغم الفراق القسري.
ويحفر فيلم “المطمورة” (2009) في قضايا الفقر والعزلة الاجتماعية بأسلوب درامي واقعي يركز على الوجوه والأمكنة المهملة والإضاءة القاتمة. يكشف بنجلون عن الجانب المظلم من التحولات الاقتصادية والإقصاء الاجتماعي، فيطرح تيمات الكرامة الإنسانية في مواجهة الفقر المدقع والعزلة. ويستخدم الإيقاع البطيء والصمت ليبني طبقات من المعاناة اليومية، فيؤكد أفكارًا حول الإنسان المغلوب على أمره والحاجة إلى تضامن اجتماعي حقيقي.
ويستعيد فيلم “المنسيون” (2010) تاريخ المرأة المغربية المستغلة بأسلوب وثائقي درامي يمزج بين الرواية الشخصية والتاريخية واللقطات الوثائقية، كما يوظف بنجلون الذاكرة كأداة للمقاومة ليطرح تيمات النضال النسوي والبطالة والهجرة السرية والاستغلال. ويتعمق في أفكار حول المهمشين الذين تقتلهم الحياة، والعدالة الاجتماعية كحق أساسي يجب استرجاعه من خلال السينما كشهادة حية.
ويعيد فيلم “رقصة الوحش” (2012) اكتشاف الجانب المظلم من النفس البشرية بأسلوب نفسي مثير يعتمد على الرموز والإيقاع المتوتر والإضاءة الدرامية، كما يستكشف بنجلون الوحش الداخلي كرمز للقمع الاجتماعي والسياسي والصراعات النفسية المكبوتة، فيطرح تيمات الشر الإنساني والفضيلة في مواجهة الرذيلة. ويبني أفكارًا فلسفية حول التوازن بين الخير والشر داخل الإنسان في مجتمع يولد الوحوش من خلال الضغوط.
ويحتفي فيلم “القمر الأحمر” (2013) بالموسيقار الكفيف عبدالسلام عامر بأسلوب شعري سيري يعتمد على الموسيقى كلغة بصرية والنور والظل كعناصر درامية. يوظف بنجلون الذاكرة الثقافية المنسية ليعيد الاعتبار للفنان اليساري المهمّش، فيطرح تيمات الفن كمقاومة للنسيان والسلطة، والإبداع كفعل تحرر شخصي وجماعي، ويتعمق في أفكار حول دور الفنان في حفظ الهوية رغم التهميش السياسي والاجتماعي.
ويختار فيلم “اختيار أسماء” (2017) قضايا الهوية والانتماء بأسلوب درامي معاصر يركز على الشخصيات النسائية والحوارات العميقة، إذ يكشف بنجلون عن صراعات المرأة المغربية في عصر العولمة والحداثة، فيطرح تيمات الحرية والاختيار والانتماء الثقافي. ويوظف الأسلوب الواقعي ليبني أفكارًا حول الذات الفردية في مواجهة الضغوط الاجتماعية والعائلية.
أما فيلم “من أجل القضية” (2019) فيروي قصة حقيقية عن الحب عبر الحدود السياسية بأسلوب رومانسي سياسي يعتمد على التوتر الدرامي والعمق العاطفي، كما يستلهم بنجلون قضية فلسطين ليطرح تيمات التضامن الإنساني والسلام والحب كقوة مقاومة للانقسامات السياسية. ويتعمق في أفكار كونية حول القضايا العادلة والتضحية من أجل الآخر.
ويطرح فيلم “جلال الدين” (2022) أسئلة فلسفية عميقة حول الحب والسعادة والتسامي الصوفي بأسلوب تأملي روحاني يعتمد على التصوير الشعري والحوارات الفلسفية والإيقاع البطيء. يوظف بنجلون فكر جلال الدين الرومي ليكشف عن البحث الداخلي في زمن الأزمات، فيطرح تيمات الخير والشر والخلاص والحقيقة والتسامح. ويبني أفكارًا وجودية حول الرحلة الروحية كحل للمعاناة الإنسانية والحب كطريق للنور الداخلي.
ويختتم شريط “الروض الأزرق” (2023) مسيرته الحالية بتأمل بصري في الطبيعة والذاكرة بأسلوب شعري تأملي يعتمد على الألوان والصمت واللقطات الواسعة، إذ يستكشف الجمال كمقاومة للقسوة الاجتماعية والتوازن بين الروح والواقع، فيطرح تيمات السلام الداخلي والذاكرة كمصدر للشفاء حول الأطفال الصغار المصابين بمرض السرطان والمعاناة التي يعيشونها، ويرصد ذلك عن قرب من خلال علاقة مجموعة من الأطفال مع طبيبهم الذي يحاول مساعدتهم بكل ما في وسعه داخل القسم الخاص بالعناية بمرضى السرطان في أحد المستشفيات.
الناقد السينمائي عبدالرحيم الشافعي #موقع الناقد الجديد #حسن بنجلون دفاترالاعتراف الجماعي في السينماالمغربية











Leave a Reply