عبدالرحيم الشافعي
ولد جمال السويسي بمدينة طنجة المغربية، ويُعدّ أحد أبرز الشخصيات السينمائية في المملكة. جمع خلال مسيرته المهنية الطويلة بين الإنتاج والإخراج والكتابة السينمائية والإشراف التقني، كما شغل عدة مناصب قيادية، منها الرئيس السابق لغرفة المنتجين المغاربة للأفلام ورئيس لجنة السينما لمنطقة طنجة تطوان الحسيمة. كما أسس السويسي شركة خدمات تانجيرين للسينما واستوديو التمثيل بطنجة، إضافة إلى كونه مؤسسًا لمعرضين فنيين.
أطلق المخرج المغربي جمال السويسي رحلة سينمائية جديدة عبر فيلمه “مرجانة”، مستحضرا عالم الأوبرا الساحر على الشاشة المغربية، إذ حرص على الجمع بين القوة الموسيقية والحركة المسرحية، فكتب السيناريو وأشرف على الإنتاج بنفسه، محاكياً طموح الشخصية الرئيسية، مهاجرة مغربية شابة في فرنسا، شغوفة بفن الأوبرا وتسعى لإحيائه في وطنها الأم طنجة. وهذا التوجه جسد شجاعة المخرج في استكشاف عوالم فنية نادرة في السينما المغربية، إذ لم يكتف بإعادة إنتاج الأوبرا الشهيرة “كارمن”، بل حاول تقديم تجربة غنية بالحياة النفسية للشخصيات وعوالمها الداخلية.
ونال فيلم “مرجانة” تقديرا كبيرا في المحافل السينمائية، إذ حصل المخرج جمال السويسي على جائزة أفضل فيلم عربي في مسابقة نور الشريف ضمن فعاليات الدورة السابعة والثلاثين من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. وهذا الفوز جاء تكريماً لرؤيته الفنية الفريدة، وقدرته على تقديم تجربة سينمائية مغربية مبتكرة تجمع بين الفن الكلاسيكي للأوبرا والسرد الروائي المعاصر، مؤكداً مكانته كواحد من الأصوات السينمائية الصاعدة في المغرب والعالم العربي.
وأثبت الفيلم قدرة السينما المغربية على الاقتراب من التجارب العالمية الرفيعة، رغم العقبات التي واجهت السويسي في المزج بين الصوت والحركة والدراما الأوبرالية. وقد أشار إلى بعض التناقضات في الأداء والانسجام بين الحركة والموسيقى، لكنها تعبر عن شجاعة المخرج في طرح فكرة جديدة وتحريك النقاش حول الإمكانات غير المستغلة للأوبرا على الشاشة المغربية. وشكل “مرجانة” خطوة جريئة نحو دمج السينما المغربية مع الفنون الرفيعة، وفتح أفقاً لإبداعات مستقبلية أكثر جرأة وخيالاً.
يبرز أسلوب جمال السويسي في فيلم “إمزورن” قدرته على دمج الواقعية الاجتماعية مع البعد الإنساني العميق، حين يصور تأثير الزلزال الذي ضرب الحسيمة في 2004 على المجتمع الريفي المغربي بطريقة معقولة، إذ استخدم اللغة الأمازيغية الريفية الأصيلة في أول فيلم تلفزيوني ناطق بها، محافظًا بذلك على التراث اللغوي والثقافي المحلي وتعزيز مكانته في الإعلام السينمائي المغربي.
ويوظف السويسي الزلزال كرمزية للتغيرات الاجتماعية والثقافية، معتمدًا على إخراج متقن وتصوير سينمائي واقعي يبرز الدمار والفوضى دون فقدان الجمال الطبيعي للريف المغربي. يظهر التضامن والتعاون بين سكان القرية، مؤكدًا قدرة الإنسان على مواجهة المحن والتكيف معها. ويمزج السويسي بين الدراما العائلية والأحداث الكارثية ليخلق تجربة سينمائية قوية تبرز الصراعات الفردية والاجتماعية، ويعزز بذلك مكانة السينما المغربية في معالجة القضايا الحساسة بعمق وصدق، مقدمًا تحفة فنية تجمع بين الجمال الإنساني والثقافي، وتفتح آفاقًا جديدة للسينما الأمازيغية التلفزيونية.
قدّم الباحث والمخرج جمال السويسي من خلال كتابه الجديد “نظرة حول المسرح المغربي في عهد الحماية” دراسة معمّقة حول بدايات المسرح المغربي. واعتمد السويسي في كتابه أسلوباً علمياً وتحليلياً، حفَر من خلاله في التاريخ المسرحي المغربي واستعرض التحولات الثقافية والفنية التي رافقت فترة الحماية.
وتجلّت قوة الكتاب في قدرته على الجمع بين البحث التاريخي والتحليل النقدي للمسرحيات الأولى، مع التركيز على الأشكال التعبيرية المختلفة التي ظهرت في تلك المرحلة. واستخدم جمال السويسي أسلوباً واضحاً ومتماسكاً، يمزج بين السرد التاريخي والدراسة النقدية، ليمنح القارئ رؤية شاملة للمسرح المغربي، من بداياته وحتى انعكاساته على المسرح المعاصر. كما فتح الكتاب آفاقاً جديدة للتأمل والمقارنة بين الماضي والحاضر، مركزا على دور المسرح في التعبير الثقافي والفني خلال مرحلة حرجة من تاريخ البلاد.
وحصل جمال السويسي على تكوين أكاديمي متكامل، فقد درس الأدب العام والمقارن وحصل على الإجازة من جامعة السوربون باريس الثالثة عام 1981، ثم تابع دراساته العليا في المسرح وحصل على الماجستير عام 1983، قبل أن يُكمل دراساته في السينما وعلوم الاتصال ويحصل على دبلوم الدراسات العليا عام 1985 من نفس الجامعة، وهذا التكوين الأكاديمي مكّنه من امتلاك قاعدة معرفية قوية في البنية السردية للنصوص والقصص، إلى جانب فهم عميق للجانب الفني والتقني في المسرح والسينما، كما أتقن السويسي عدة لغات منها العربية، الفرنسية، الإنجليزية والإسبانية، سواء قراءة أو كتابة، وهو ما ساعده في التواصل والإنتاج على المستوى الدولي.
وتلقى السويسي تدريبًا عمليًا مكثفًا بين 1980 و1985، حينما تدرب على الإضاءة والمسرح مع كبار خبراء المجال مثل هنري ألكان وباتريس تروتييه، كما عمل مع مخرجين سينمائيين عالميين من بينهم كلود ليلووش ويلماز جوناي، وشارك في مشاريع مسرحية مع أنتوار فيتز وبيتر بروك وغيرها، إضافة إلى دورات في المسرح الدولي في برشلونة ونانسي. وقد مكّنته هذه الخبرات من الجمع بين الحس الإبداعي والقدرة على إدارة فرق العمل والمشاريع السينمائية الكبيرة.
بدأ السويسي مسيرته العملية منذ منتصف الثمانينات في الراديو والتلفزيون، حيث عمل منتجًا ومقدّم برامج في قناة فرنسا كولتور بقسم الدراما، كما ساهم في تنسيق البرامج الفنية والإنتاجية في ميدي 1 المغرب. كما امتدت خبرته إلى مجال الإعلان والإنتاج التجاري، حين تولى مناصب منتج تنفيذي ومدير إنتاج لعدد من الشركات المحلية والدولية، بما في ذلك كريدي أجريكول، أف.سي.بي، بايرتس فرنسا، عرض ابن بطوطة – قناة Aries إسبانيا، سي.آي.إتش، توب بوبليسيتي، فابنك، تيليما الدار البيضاء، وزارا وغيرها، وهذا أكسبه خبرة واسعة في إدارة المشاريع الإعلانية الكبرى.
وساهم جمال السويسي في إنتاج وإخراج والإشراف على عدد كبير من الأعمال، سواء في المغرب أو خارجها. من أبرز أعماله فيلم “معركة الملوك الثلاثة” للمخرج سهيل بن بركة، وفيلم “بعيدًا” للمخرج أندريه تيشينيه، وفيلم “الشبكة”، و”مفتش الحكومة”، و”دقيقة شمس أقل” للمخرج نبيل عيوش، وفيلم “سقوط الصقر الأسود” للمخرج ريدلي سكوت.
كما عمل على إنتاج العديد من الأعمال الدولية مثل “كانابووفي” (بولندا)، و”كلاندستين” (ألمانيا)، و”القائمة” (إسبانيا)، و”صنع في المغرب” (بولندا)، بالإضافة إلى برامج تلفزيونية واقعية مثل “ماستر شيف” و”أنت تستطيع الرقص في بولندا”، مع تصويرها جزئيًا في المغرب.
وأدار جمال السويسي مشاريع شخصية وأخرج عدة أفلام قصيرة وروائية مثل “مرجانة”، الذي يعرض قصة شابة مغربية تناضل من أجل كرامتها، و”القارب الورقي”، و”لو حكت لي فاس”، و”خطيب لياسمينة”، كما شارك في إنتاج الفيلم القصير “سارة”. وقد تميزت أعماله بالتوازن بين البعد الإنساني والجودة الفنية، مع استخدام لغة سينمائية غنية بالرموز والتعبيرات الثقافية.
وامتدت خبراته إلى المجال الأكاديمي والثقافي، حينما عمل أستاذًا للسينما في المعهد العالي للإعلام والاتصال – الرباط وجامعة تطوان، وكان عضوًا في لجان تحكيم المهرجانات السينمائية، وعضوًا في اللجنة الوطنية لصندوق السينما، ومشاركًا في تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية دولية. كما أشرف على أيام البحر الأبيض المتوسط السمعية البصرية (J.A.M)، وكان مستشارًا ومدير إنتاج للإعلانات والأفلام، ومديرًا لمعارض فنية مثل معرض طنجة للفن والمنار، وهو عضو في العديد من الهيئات الفنية الدولية.
#عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #جمال_السويسي #مهرجان_الأقصر #سينما_مغربية











Leave a Reply