عبدالرحيم الشافعي
يُعدّ إدريس اشويكة واحدًا من الأسماء البارزة في المشهد السينمائي المغربي، إذ استطاع أن يرسخ حضوره من خلال تجربة فنية متعددة المشارب جمعت بين الإخراج وكتابة السيناريو والعمل التلفزيوني والمسرحي. وُلد وترعرع في المغرب، ثم اختار تطوير تكوينه الأكاديمي في باريس، المدينة التي وفرت له احتكاكًا واسعًا بالمدارس السينمائية الحديثة والتجارب البصرية المتنوعة. وأسهم هذا المسار التكويني في صقل أدواته الفنية وتوسيع رؤيته الجمالية، فانعكس ذلك على طبيعة أعماله التي اتسمت بالوعي الفني والقدرة على بناء الحكاية. واستفاد من الجمع بين الجذور المغربية والانفتاح الأوروبي ليصوغ لغة سينمائية خاصة به، تراعي الخصوصية المحلية وتنفتح في الوقت نفسه على الأسئلة الإنسانية الكبرى. وبرزت شخصيته الإبداعية في حرصه على تناول قضايا المجتمع بلغة درامية مؤثرة، تجمع بين العمق والبساطة. وشكّل حضوره إضافة واضحة للسينما المغربية المعاصرة.
تميّزت تجربة إدريس اشويكة بتنوع لافت في الأجناس الفنية التي اشتغل عليها، إذ لم يقتصر على الفيلم الروائي الطويل، بل خاض كذلك تجربة الفيلم القصير، والأفلام التلفزيونية، والسلاسل الدرامية، إلى جانب المسرح المصور. وكشف هذا التنوع عن مرونة كبيرة في التعامل مع الوسائط المختلفة، وقدرة على التكيف مع شروط الإنتاج وأساليب السرد المتباينة. وأظهرت أعماله اهتمامًا واضحًا بالبناء الدرامي المتماسك، مع منح الشخصيات أبعادًا نفسية واجتماعية تجعلها قريبة من المتلقي. ونجحت كثير من إنتاجاته في نيل استحسان النقاد والجمهور معًا، وهو أمر لا يتحقق إلا للأعمال التي تجمع بين الجودة الفنية والقدرة على التواصل. واستطاع عبر هذا المسار أن يحافظ على استمرارية حضوره داخل الساحة الفنية لعقود متتالية. ورسّخ بذلك صورة المخرج القادر على التجدد دون التخلي عن هويته الإبداعية.
ركّزت أعمال إدريس اشويكة على القضايا الاجتماعية والإنسانية التي تمس حياة الناس اليومية، فاهتم بأسئلة الحب والهوية والعدالة والذاكرة والصراع بين الفرد والمجتمع. وبرز هذا التوجه في اختياره شخصيات تعيش أزمات داخلية أو تواجه ضغوطًا اجتماعية معقدة، ثم يتركها تتطور داخل حبكات درامية تكشف تناقضاتها ومخاوفها وأحلامها. واعتمد في كثير من أعماله على المزج بين البعد الواقعي والرمزي، بما يمنح القصة مستويات متعددة من القراءة والتأويل. وجعل هذا الأسلوب أفلامه قادرة على استقطاب المشاهد العادي والمهتم النقدي في آن واحد. كما ساعده هذا المنحى على تحويل الحكايات المحلية إلى أسئلة إنسانية أوسع تتجاوز الحدود الجغرافية. وتحوّلت السينما عنده إلى مساحة للتفكير والتأمل في تحولات المجتمع المغربي. وأسهم ذلك في منح أعماله قيمة ثقافية وفنية مستمرة.
حظي إدريس اشويكة بتقدير واسع داخل الأوساط السينمائية المغربية والعربية، ونال عددًا من الجوائز في مهرجانات وطنية ودولية، وهو ما يعكس الاعتراف بجودة تجربته الفنية. ولم يكن هذا التقدير مرتبطًا بفيلم واحد أو مرحلة عابرة، بل جاء نتيجة مسار طويل من الاشتغال الجاد والتراكم المهني المتواصل. وأسهمت أعماله في دعم حضور السينما المغربية داخل فضاءات العرض والتتويج، كما ساعدت على إبراز طاقات فنية محلية قادرة على المنافسة. وارتبط اسمه بمخرج ينظر إلى الفن بوصفه رسالة ثقافية وجمالية، لا مجرد وسيلة ترفيهية عابرة. وظهر هذا الوعي في اختياراته الموضوعية وحرصه على احترام المتلقي وتقديم مضمون يلامس واقعه. ورسّخ عبر ذلك مكانته ضمن الجيل الذي ساهم في تطوير الصناعة السينمائية الوطنية.
بدأت مسيرته المهنية في بداية التسعينيات، حين أعدّ وأنتج للقناة المغربية الأولى البرنامج السينمائي “زوايا” ابتداء من مايو 1994، وهو برنامج اهتم بالشأن السينمائي وساهم في تقريب الجمهور من هذا الفن. ومثّل هذا العمل خطوة أولى مهمة نحو بناء اسمه داخل الوسط الإعلامي والثقافي، قبل الانتقال بقوة إلى مجال الإخراج. وأخرج سنة 1996 فيلمه التلفزيوني “صمت الليل”، الذي بلغت مدته 122 دقيقة، وقد أُنتج بتعاون مع التلفزيون المغربي. ثم واصل حضوره في السنة التالية بإخراج فيلم تلفزيوني آخر بعنوان “زرع الرياح”، امتد 104 دقائق، مؤكّدًا استمرارية عطائه. ولم يقتصر نشاطه آنذاك على التلفزيون، بل أنجز أيضًا مسرحية “ليلة رأس العام” بمشاركة الممثلين المعروفين محمد مفتاح ورشيد الوالي. وكشف هذا التعدد المبكر عن طاقة إنتاجية كبيرة ورغبة واضحة في خوض تجارب متنوعة.
أخرج سنة 1999 فيلمه الروائي “مبروك”، الذي أنتجته شركة زوايا، وشكّل محطة مهمة في انتقاله إلى الفيلم الروائي الطويل. وتدور القصة حول ميلود، وهو حرفي مغربي يرتبط بصداقة خاصة مع الحمار مبروك، وليسينيا، الشابة الأوروبية ابنة رجل أعمال التي تعيش ظروفًا صعبة، وهي مخطوبة للشاب أرنولد. ويلتقي هؤلاء في سوق مراكش، فتنبهر ليسينيا بالحمار مبروك الواقف أمام محل ميلود، وتقترح شراءه وتصر على ذلك. واعتمد الفيلم على مفارقات إنسانية وثقافية تنشأ من هذا اللقاء غير المتوقع بين عوالم مختلفة. كما أنجز في الفترة نفسها فيلم “ضد التيار” بالتعاون مع التلفزيون المغربي، مواصلًا نسقه الإنتاجي المنتظم. وأظهر هذان العملان قدرة المخرج على التنقل بين الحس الشعبي والطرح الدرامي المركب.
واصل اشويكة نشاطه الفني سنة 2000 بإخراج فيلمه التلفزيوني “شادية”، الذي قُدم باللغة العربية الكلاسيكية، وهو اختيار يمنح العمل طابعًا خاصًا. ويتناول الفيلم قصة فنان تشكيلي يعيش ظروفًا مادية صعبة تعرقل تحقيق طموحاته وأحلامه، فيجد نفسه أمام اختبارات معقدة بين الحاجة والمبدأ. ويلتقي خلال أزمته بسيدة ثرية تستغل حاجته إلى المال وتقترح عليه الزواج منها، فيقبل تحت ضغط الواقع. ورغم ما وفرته له من وسائل مادية، ظل يشعر بفراغ داخلي وحنين دائم إلى “شادية”، المرأة المتخيلة التي يرسمها في لوحاته. وتتحول هذه الشخصية إلى جزء من حياته اليومية، وإلى صورة للجمال المفقود والحلم المؤجل. ويكشف الفيلم الصراع بين المادة والروح، وبين النجاح الظاهري والرضا النفسي. وبرز من خلاله اهتمام المخرج بالعوالم النفسية الدقيقة.
يكشف تطور أحداث “شادية” تزايد تأثير المرأة المتخيلة في نفسية الفنان، فتشتد غيرة زوجته وتتعقد العلاقة بينهما بصورة متصاعدة. ويصبح الخيال هنا قوة موازية للواقع، بل أكثر تأثيرًا من الحياة المادية التي يعيشها البطل. ويعالج الفيلم مسألة الطموح الفني حين يصطدم بالقيود الاجتماعية والضرورات الاقتصادية، فيجد المبدع نفسه ممزقًا بين الوفاء لروحه ومتطلبات العيش. كما يستعرض الأثر النفسي للعواطف المتضاربة، حين يتحول الحب إلى فكرة والحنين إلى عبء يومي. واعتمد المخرج في هذا العمل على حس بصري وشاعري ينسجم مع شخصية الرسام وبنيته الداخلية. وبهذا تجاوز الفيلم حدود القصة الرومانسية التقليدية نحو تأمل أعمق في معنى الإبداع والرغبة. واحتل العمل مكانة مميزة ضمن منجزه التلفزيوني.
أخرج سنة 2001 فيلم “قصر السوق”، الذي يحكي قصة حب تجمع بين أديب وفتاة من بلدته، غير أن هذه العلاقة تصطدم برفض عائلة الفتاة المحافظة. وتُجبر الأسرة ابنتها على الزواج بابن خالتها، فينتصر سلطان الأعراف على رغبة القلب. وبعد مرور عشر سنوات يعود الأديب إلى المنطقة نفسها، حاملاً ذاكرة الماضي وأسئلته المفتوحة، ويلتقي من جديد بحبيبته القديمة. ويستثمر الفيلم هذا اللقاء المتأخر لاستحضار ما ضاع من العمر وما غيّرته السنوات في النفوس. ثم قدّم سنة 2002 فيلم “مادو”، قبل أن يخرج سنة 2003 فيلم “الطيور على أشكالها تقع”. وأكد هذا التتابع المنتظم للأعمال قدرته على الحفاظ على إيقاع إنتاجي ثابت. وكشف أيضًا وفاءه للدراما الإنسانية ذات الخلفية الاجتماعية.
أنجز خلال الفترة الممتدة من 2005 إلى 2007 عددًا من الأعمال التلفزيونية والمسرحية، من أبرزها فيلم “علام الخيل”، الذي بلغت مدته 98 دقيقة. ويروي الفيلم قصة الفارس “علي” الذي يلقى مصرعه في حادث مأساوي، تاركًا ابنه “حمادي” في صدمة نفسية أفقدته النطق. ويجد الطفل نفسه وحيدًا مع قلادة ترمز إلى الفروسية التي ورثها عن والده، فتغدو بقاياه الرمزية سندًا أخيرًا له. وتتفاقم حالته النفسية بعد زواج والدته برجل آخر وفق أعراف القبيلة، فيزداد شعوره بالعزلة والضياع. ويجسد الفيلم صراع الطفل مع الفقدان والاغتراب داخل بيئة اجتماعية قاسية لا تراعي هشاشته النفسية. ثم أنجز فيلمين وثائقيين ضمن سلسلة “نساء، جسدًا وروحًا”، التي تناولت قضايا اجتماعية مهمة تخص شخصيات نسوية. ويبرز هذا المسار حساسيته تجاه قضايا المرأة والطفولة والهشاشة الاجتماعية.
أخرج سنة 2006 فيلم “لعبة الحب”، الذي نال جائزة النقد وتنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم في مهرجان السينما الفرنكفونية، وهو تتويج أكد حضوره خارج الحدود الوطنية. ثم قدّم سنة 2009 فيلم “فينك الأيام”، الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الفيلم الوطني، وكذلك في مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة. وتدور أحداث الفيلم حول ستة أصدقاء، ثلاث نساء وثلاثة رجال، يشكلون ثلاث أسر، ويعودون إلى اللقاء بعد سنوات من التخرج الجامعي. وكانوا قد عاشوا تجربة نضالية مشتركة تخللتها مخاطر الاعتقال والاختطاف، وحياة اجتماعية متمردة على الأعراف السائدة. ويتلقون دعوة غامضة إلى فيلا مطلة على البحر يملكها الزوجان عبدالخالق ورشيدة. ويظن الجميع أن الدعوة صادرة عن رجاء، الطالبة المناضلة التي اختفت فجأة بعد الجامعة. ويقود اللقاء إلى مفاجأة غير متوقعة تفتح أبواب أسرار الماضي وتعيد مساءلة الذاكرة الجماعية.
أخرج سنة 2015 فيلم “فداء”، الذي تدور أحداثه في مرحلة حساسة من التاريخ المغربي، حين أدى نفي الملك محمد الخامس إلى تصاعد غضب الشعب ضد الاستعمار الفرنسي. ويتابع العمل مسار البطل عبد الرحمن، الذي ينضم إلى صفوف المنظمة السرية للمقاومة المسلحة التي يديرها محمد الزرقطوني بصرامة وانضباط. ويستعرض الفيلم قيم الوطنية والتضحية وروح المقاومة، مع إبراز التحديات التي واجهها المغاربة في سعيهم نحو الحرية والاستقلال. وامتد الفيلم على 109 دقائق، ما أتاح للمخرج مساحة زمنية لبناء الأحداث والشخصيات في سياق تاريخي متدرج. وشارك في بطولته فنانون من بينهم عبدالإله رشيد وربيعة رفيع ومحمد خيي، وهو ما منح العمل قوة تشخيصية واضحة. وأعاد الفيلم إلى الواجهة مرحلة مركزية من الذاكرة الوطنية المغربية. وكرّس اهتمام اشويكة بالتاريخ بوصفه مادة درامية حية.
استمر إدريس اشويكة في إنجاز الأعمال التلفزيونية والمسرحية إلى غاية سنة 2024، محافظًا على حضوره الفني المتواصل رغم تحولات الساحة الثقافية. وأخرج عددًا من المسرحيات التي مزجت بين لغة المسرح وتقنيات السينما، مثل “شكون احنا؟” و“باك صاحبي” و“سوق النسا”. ويكشف هذا الاتجاه عن رغبته الدائمة في تجريب الأشكال التعبيرية وعدم الاكتفاء بقالب واحد. ويشتغل حاليًا على فيلمه “طحالب”، الموجود في مرحلة ما بعد الإنتاج، ما يدل على استمرار حيويته الإبداعية. ويمثل إدريس اشويكة صوتًا مميزًا داخل السينما المغربية، بفضل انشغاله الدائم بالقضايا الاجتماعية والإنسانية في قالب فني مبتكر. وتجسد أعماله صورة حقيقية للإبداع السينمائي المغربي القادر على الجمع بين الجمالية والرسالة. ويظل اسمه حاضرًا ضمن المخرجين الذين أغنوا الثقافة الفنية بالمغرب وأثروا مسارها المعاصر.
ويتناول اخر أفلامه السينمائية “طحالب مرة” الذي انتج سنة 2025 واقعًا اجتماعيًا هشًا في قرية ساحلية مغربية تعيش على صيد السمك وجمع الطحالب، من خلال قصة “هنية”، امرأة شابة اختفى زوجها فتجد نفسها في مواجهة التهميش وهيمنة شقيق زوجها الذي يستولي على الإرث ويحرم ابنة أخيه من الدراسة، إذ تميز العمل بجمالية الإخراج وقوة التصوير، خاصة مشاهد البحر التي جعلته عنصرًا دراميًا قويا،. وقد حقق الفيلم حضورًا دوليًا بارزًا بحصوله على أربع جوائز في مهرجان “كولدن فيمي” بصوفيا.
#رؤية_سينمائية_حول_مسار_المخرج_المغربي_إدريس_اشويكة #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_السينمائي #الناقد_الجديد











Leave a Reply