احتضن المركز الثقافي “إكليل” بمدينة تطوان، خلال يومي الحادي عشر والثاني عشر من يونيو 2026، سلسلةً من الورشات التكوينية المتخصصة، وذلك في إطار الدورة الثامنة لمهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي. استهدفت هذه الورشات الطلبةَ والشباب المنخرطين في الدراسات السينمائية أو المهتمين بالصناعة السينمائية، وشملت ثلاثة محاور رئيسية: كتابة السيناريو، والإخراج، وإدارة الممثلين.
تندرج هذه المبادرة التكوينية ضمن التوجه العام للمهرجان الرامي إلى تجاوز وظيفة العرض الفيلمي البحتة، نحو بناء منظومة تدريبية متكاملة تُساهم في تأهيل الأجيال الصاعدة وتزويدها بالأدوات المعرفية والتقنية اللازمة للانخراط في المشهد السينمائي المغربي والأمازيغي.
وأشرف على ورشة كتابة السيناريو الكاتب والسيناريست عبد الإله الحمدوشي، أحد أبرز الأقلام السردية والسينمائية في المشهد الثقافي المغربي المعاصر. اشتغل في بادئ مسيرته أستاذاً للغة العربية قبل أن يتفرغ للكتابة الأدبية والسينمائية.
اكتسب الحمدوشي شهرة واسعة في مجال الرواية البوليسية من خلال أعمال من قبيل: “الحوت الأعمى”، و”ذبابة بيضاء”، و”الرهان الأخير”. وساهم في كتابة سيناريوهات أفلام بارزة، أبرزها: “بيت الريح”، و”وراء المرآة”، و”المتقاعد”، وقد نالت هذه الأعمال اعترافاً دولياً تجلّى في حصوله على جائزة أحسن سيناريو في مهرجان Golden Reel Award بولاية كاليفورنيا الأمريكية. كما تُرجمت بعض رواياته إلى اللغتين الإنجليزية والإسبانية، مما يعكس الامتداد الدولي لمنجزه الإبداعي.
ويضطلع الحمدوشي بدور تكويني محوري من خلال إشرافه على ورشات تدريبية متعددة في مجال كتابة السيناريو، في فضاءات جامعية ومهرجانات ثقافية مغربية، كما يحمل صفة العضوية في اتحاد كتاب المغرب وجمعية المؤلفين. وقد أتاحت ورشته في هذا المهرجان للمشاركين فرصةَ الاستفادة من تجربة متراكمة، في أجواء حوارية تفاعلية تُشجّع على الإبداع وتفتح آفاق التجريب السردي.









وتولّى إدارة ورشة الإخراج الميداني المخرجُ والسيناريست رشيد العروسي، الذي يُعدّ من الأصوات السينمائية والدرامية الفاعلة في المشهد المغربي. إذ يتميز العروسي بمساره المهني المتنوع الذي يجمع بين الإخراج التلفزيوني والسينمائي والمسرحي؛ كونه أخرج أعمالاً تلفزيونية ناجحة كـ”سي مربوح” و”جحا يا جحا”، كما أنجز فيلمه الروائي الطويل “مطلقة” الذي عُرض في القاعات السينمائية، إضافةً إلى إسهاماته في المسرح والفيلم الوثائقي.
وركّزت الورشة على الجوانب التطبيقية للإخراج، مع الاهتمام بالتحديات الإنتاجية الخاصة بالسينما المستقلة والأمازيغية. ويتميز العروسي بمقاربة نقدية تحليلية تجاه واقع الصناعة السينمائية والمسرحية المغربية، تجلّت في إثارته لإشكاليات هيكلية تتعلق بالتنظيم والإنتاج،بينما الجمع بين الخبرة الميدانية والوعي النقدي جعل من ورشة العروسي فضاءً تكوينياً ثرياً، استفاد منه المشاركون على مستويين: المستوى التقني من خلال الأمثلة والتمارين العملية، والمستوى المعرفي من خلال الفهم العميق لمتطلبات الاحتراف السينمائي في السياق المحلي والإقليمي.
وأدار ورشة التمثيل الفنان الصديق مكوار، الممثل والكاتب والمخرج المسرحي الذي يُراكم ما يزيد على خمس وعشرين سنة من العطاء الفني في مجالات السينما والتلفزيون والمسرح. وقد أتاح له تكوينه اكتساب مرجعية أكاديمية راسخة، ساعدت في تعميق أسلوبه التمثيلي وإضفاء الاحترافية الدولية عليه.
وأدّى مكوار أدواراً بارزة في أعمال ناجحة من قبيل “لمكتوب” و”السر القديم” و”الماضي لا يموت”، واشتُهر بأدائه الطبيعي الرصين وعمقه التعبيري في تجسيد القضايا الاجتماعية والإنسانية. وقد انعكست هذه التجربة المتراكمة بصورة مباشرة على طريقة إدارته للورشة، التي انصبّ اهتمامها على تقنيات بناء الشخصية والأداء أمام الكاميرا، مع التركيز على قيمتَي الصدق والحضور الانفعالي بوصفهما ركيزتين أساسيتين في التمثيل السينمائي.
وقد أولى مكوار عناية خاصة لمتطلبات التمثيل في السينما الأمازيغية، التي تستوجب قدرة الممثل على تجسيد الهوية الثقافية بصدق فني رفيع، مؤكداً أن الإحساس الداخلي الصادق يمثّل العمود الفقري لأي أداء إنساني مقنع.
وتكشف هذه الورشات الثلاث عن رؤية واعية لدى القائمين على مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي، تقوم على اعتبار المهرجان فضاءً للتكوين والتأهيل، فرغم محدودية الإمكانات المادية والدعم المؤسسي، أثبت المهرجان قدرته على استقطاب كفاءات بارزة وتوفير تجارب تكوينية ذات قيمة مضافة حقيقية.
إن الاستثمار في بناء القدرات الشبابية على هذا النحو يُشكّل رافداً استراتيجياً لتنمية السينما الأمازيغية والمغربية على المدى البعيد، ويستوجب دعماً رسمياً مستداماً يُمكّن هذه المبادرات من التوسع والترسيخ، بما يساهم تخريج كفاءات سينمائية مغربية قادرة على المنافسة في الفضاءين الإقليمي والدولي.
#الناقد_الجديد #مهرجان_الريف_الدولي_للفيلم_الأمازيغي #الدورة_الثامنة #الورشات_التكوينية #تطوان #السينما_الأمازيغية #كتابة_السيناريو #الإخراج_السينمائي #إدارة_الممثلين #عبد_الإله_الحمدوشي #رشيد_العروسي #الصديق_مكوار #الفيلم_الأمازيغي #الثقافة_الأمازيغية #الشباب_والسينما #المشهد_السينمائي_المغربي #التكوين_السينمائي











Leave a Reply