عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
تستعد مدينة سلا لاحتضان الدورة التاسعة عشرة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة خلال الفترة الممتدة من 28 شتنبر إلى 3 أكتوبر 2026، في موعد يضع السينما النسائية في صدارة النقاش من خلال عروض روائية ووثائقية ومسابقات موجهة إلى الجمهور الشاب. وتمنح الدورة الجديدة مساحة مهمة للإنتاج المغربي، عبر أعمال تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التحولات الاجتماعية، وتلتقي فيها الحكايات الحميمة بالقضايا الوطنية والأسئلة المرتبطة بالأسرة والمجتمع والهوية.
تتوزع المشاركة المغربية بين المسابقات الدولية الرسمية ومسابقة جائزة الجمهور الشاب، لتقدم مجموعة من التجارب التي تعكس اختلاف الرؤى والأساليب داخل السينما المغربية المعاصرة. وتحضر الدراما الإنسانية إلى جانب الكوميديا الاجتماعية، فيما تشتغل أفلام أخرى على الذاكرة والطفولة والفقدان والإدمان وقضايا المجتمع، لتمنح المشاركة المغربية صورة أوسع من تلك التي تختزل السينما الوطنية في موضوع واحد أو أسلوب واحد.
المسابقة الدولية.. ذاكرة شخصية وأسئلة اجتماعية
يخوض فيلم “زنقة مالقة” للمخرجة مريم التوزاني المسابقة الرسمية بفيلم روائي طويل يمثل تجربتها الثالثة بعد “آدم” و”القفطان الأزرق”، ويعود إلى طنجة عبر شخصية ماريا أنخيليس، امرأة إسبانية في أواخر السبعينيات تعيش وحيدة في شقتها بشارع مالقة. وتصل ابنتها من مدريد حاملة قرار بيع المنزل العائلي، فتدخل العلاقة بين الاثنتين في مواجهة مع أسئلة أعمق ترتبط بالذاكرة والانتماء والهوية. ويحوّل الفيلم المنزل إلى مساحة تختزن عقودًا من التعايش المغربي الإسباني، لتصبح الرغبة في بيع المكان مواجهة مع تاريخ شخصي يرتبط بمرحلة كاملة من حياة البطلة.
تستند التوزاني إلى تجربة شخصية مرتبطة بجدتها الإسبانية، وتبني من خلالها حكاية تتأمل الشيخوخة والفقدان والرغبة والروابط العائلية. ويعتمد الفيلم على دراما حميمة تضع الشخصية في مركز الحكاية، مع حضور واضح للمكان باعتباره حاملًا للذاكرة. وحصل العمل على جائزة الجمهور في مهرجان البندقية، كما اختير لتمثيل المغرب في جوائز الأوسكار، ليحمل إلى المنافسة في سلا تجربة مغربية تنطلق من الخاص وتصل إلى أسئلة إنسانية أوسع.
يشارك فيلم “ساحة الكبار” للمخرجة هند بنصاري في مسابقة الأفلام الوثائقية، ويتابع شقيقين مراهقين، موقاري البالغ 13 عامًا وفاطمة ذات 11 عامًا، خلال عامهما الأول خارج المدرسة. ويرصد الفيلم مرحلة انتقالية قاسية يدخل خلالها الطفلان عالم المسؤوليات في سن مبكرة، وسط ظروف مرتبطة بالهجرة من الريف وتغير إيقاع الحياة مع المواسم. وتقترب بنصاري من شخصياتها عبر سرد هادئ يركز على التفاصيل اليومية، لتطرح قضية التسرب المدرسي والفوارق في فرص التعليم داخل المجتمع المغربي.
يمنح العمل للطفولة حضورًا مركزيًا داخل قضية اجتماعية أوسع، ويضع تجربة الطفلين أمام واقع يفرض عليهما تحمل مسؤوليات تفوق سنهما. وتحمل مشاركة الفيلم امتدادًا لمسار المشروع الذي حصد جوائز ضمن برنامج “القطع النهائي” في مهرجان البندقية، ليصل إلى سلا محملًا بتجربة وثائقية تعتمد على القرب من الشخصيات أكثر من الخطاب المباشر.
“`جائزة الجمهور الشاب.. وجوه متعددة للسينما المغربية
تقدم مسابقة جائزة الجمهور الشاب مجموعة من الأفلام المغربية الطويلة التي تتباين موضوعاتها بين العلاقات الزوجية والإدمان والأسرة والخيال والقضايا الوطنية. وتكشف هذه الأعمال عن ميل واضح نحو الاقتراب من الحياة اليومية، مع توظيف الكوميديا والدراما والخيال في معالجة موضوعات ترتبط مباشرة بالتحولات التي يعيشها المجتمع المغربي.
تتناول رشيدة السعدي في فيلم “كل شيء أو لا شيء” قصة نورا ومهدي، زوجين يجمعهما الحب قبل أن يدخل إدمان نورا السري على لعبة البوكر إلى حياتهما ويقلب توازنها. وتتراكم الديون وتتصاعد القرارات اليائسة إلى مستوى يمس أموال الصيدلية العائلية، فتدخل العلاقة في دائرة من الانهيار والذنب والألم. ويضع الفيلم الإدمان في قلب الأزمة، متتبعًا انعكاساته على الحياة الزوجية والاستقرار النفسي والوضع الاقتصادي، ضمن تجربة روائية طويلة تمثل أول أفلام السعدي بعد سنوات من العمل في مجال الإنتاج.
يعتمد علاء أكعبون في فيلم “2 رواح” على الكوميديا والخيال لطرح أسئلة حول الزواج والضغط الاجتماعي والعلاقات. ويتابع الفيلم خطيبين يوافقان على تجربة علمية غريبة بهدف تقليص تكاليف حفل الزفاف، قبل أن تنقلب التجربة إلى أزمة بعد تبادل أرواحهما. ويمنحهما هذا التحول سبعة أيام فقط لاستعادة حياتهما الطبيعية، فيدخل الثنائي في سلسلة من المواقف الكوميدية التي تجمع بين الترفيه والصراع مع التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالزواج.
يستعيد عبد الله توكونة، المعروف بفركوس، في فيلم “الخاطبة” الكوميديا الاجتماعية من خلال قصة أب يقرر الزواج مرة ثانية، فيواجه رفض أبنائه لهذا القرار. ويعيد العمل شخصية الخاطبة التقليدية إلى الحياة اليومية في سياق معاصر، ليفتح مساحة للنقاش حول الزواج المتأخر وصراع الأجيال وتدخل الأبناء في اختيارات آبائهم. ويعتمد الفيلم على الكوميديا الشعبية في بناء هذا الصراع، مع وضع الأسرة المغربية في قلب الحكاية باعتبارها مساحة تتداخل فيها الرغبات الشخصية مع سلطة العادات والتوقعات الاجتماعية.
يعود عبد العالي الطاهري في فيلم “قصة وفاء” إلى أحداث سنة 1984 من خلال شخصية مجد، شاب من ذوي الإعاقة يُختطف مع مجموعة من المدنيين خلال حفل زفاف في طانطان على يد ميليشيات انفصالية. ويتناول العمل معاناة المحتجزين المغاربة في مخيمات تندوف والرابوني عبر سنوات من التعذيب والسخرة، مستندًا إلى قصص حقيقية مرتبطة بتجارب الأسر والاحتجاز. ويضع الفيلم الوفاء والتضحية والوطنية في قلب حكايته، رابطًا بين التجربة الفردية والذاكرة الوطنية المرتبطة بقضية الوحدة الترابية.
الفيلم القصير.. الذاكرة في تفاصيل صغيرة
تفتح مسابقة الفيلم المغربي القصير مساحة أمام تجارب تتجه نحو التفاصيل الشخصية والاجتماعية، وتطرح عناوين مثل “وشم بزة” لفاطمة الزهراء أوباحا، و”الثوب الجنائزي” لإنصاف جوند، و”هاد البركة لي سميتها الجدة” لزينب زيدان، و”وراء الجبال” لوصال جابري، و”بقاء” لآمال بولعلا. وتتنوع هذه الأعمال في مقارباتها للهوية والذاكرة والعائلة والفقدان والصمود، لتقدم شكلًا أكثر اختزالًا من الحكاية السينمائية مع الاحتفاظ بقدرتها على التقاط تفاصيل من الحياة اليومية.
تمنح هذه الأفلام القصيرة للجيل الجديد من صناع السينما مساحة للتجريب، وتضع الموضوعات الشخصية والاجتماعية في صدارة السرد، مع اختلاف واضح في زوايا المعالجة. ويعكس حضورها داخل المهرجان اتساع المجال أمام السينما المغربية القصيرة لتجاوز الوظيفة التكميلية التي ارتبطت بها طويلًا، وتحويلها إلى مساحة مستقلة لبناء الأفكار والأساليب واللغة البصرية.
حضور مغربي يتجاوز المشاركة
تكشف المشاركة المغربية في الدورة التاسعة عشرة عن سينما تتحرك بين الذاكرة والواقع والخيال، وتتنقل من حكايات النساء والعائلة إلى قضايا التعليم والإدمان والاحتجاز والهوية. وتمنح هذه الأعمال المهرجان مادة غنية للنقاش حول علاقة السينما المغربية بالمجتمع، خصوصًا مع حضور أفلام تنطلق من تجارب شخصية وتصل إلى قضايا تتجاوز أصحابها نحو أسئلة عامة ترتبط بالأسرة والعدالة الاجتماعية والذاكرة الوطنية.
يضع المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا هذه التجارب أمام جمهور شاب ومسابقات دولية، فيمنحها فرصة للدخول في حوار يتجاوز حدود العرض المحلي. وتكتسب المشاركة أهميتها من تنوع الأعمال أكثر من عددها، إذ تكشف عن اختلاف في الأجيال والموضوعات والأنماط، وتؤكد استمرار السينما المغربية في البحث عن مساحات جديدة بين الحكاية الشخصية والقضية الاجتماعية والذاكرة الجماعية.
#مهرجان_سلا #المهرجان_الدولي_لفيلم_المرأة_بسلا #مهرجان_سلا_2026 #الدورة_19 #سينما_المرأة #السينما_المغربية #السينما_المغربية_المعاصرة #أفلام_مغربية #أفلام_2026 #النقد_السينمائي #نقد_الأفلام #مريم_التوزاني #زنقة_مالقة #القفطان_الأزرق #آدم #هند_بنصاري #ساحة_الكبار #رشيدة_السعدي #كل_شيء_أو_لا_شيء #علاء_أكعبون #2_رواح #عبدالله_توكونة #فركوس #الخاطبة #عبد_العالي_الطاهري #قصة_وفاء #فاطمة_الزهراء_أوباحا #وشم_بزة #إنصاف_جوند #الثوب_الجنائزي #زينب_زيدان #هاد_البركة_لي_سميتها_الجدة #وصال_جابري #وراء_الجبال #آمال_بولعلا #بقاء #السينما_النسائية #المخرجات_المغربيات #الفيلم_الوثائقي #الفيلم_القصير #السينما_والمرأة #السينما_والمجتمع #الذاكرة_والسينما #الهوية_والسينما #الأسرة_في_السينما #قضايا_المرأة #الهجرة_والسينما #الطفولة_في_السينما #الإدمان #الذاكرة_الوطنية #الوحدة_الترابية #صحيفة_الناقد_الجديد #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply