“أوتيستو” و”الكل يحب تودا” من يضع حدود المقبول سينمائياً على شاشة التلفزيون العمومي؟
عبدالرحيم الشافعي – الناقد الجديد
تفتح برمجة فيلمي “أوتيستو” و”الكل يحب تودا” على القناة الثانية “دوزيم” نقاشاً حول معايير اختيار الأفلام المغربية للعرض التلفزيوني، ومدى تكافؤ الفرص بين الإنتاجات المختلفة في الوصول إلى الشاشة العمومية. ويكتسب هذا النقاش أهميته في ظل حديث بعض المهنيين عن صعوبات تواجه أعمالاً اجتماعية ودرامية في الحصول على فرص البث، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أسس الانتقاء، وطبيعة الاعتبارات التي تتحكم في إدراج الأفلام ضمن الشبكة البرامجية. وينصرف الاهتمام هنا إلى الأعمال الفنية وسياسة عرضها، بعيداً عن الأسماء الشخصية أو الأحكام المرتبطة بأصحابها، لأن تقييم البرمجة يستوجب فحص الاختيارات والمعايير والنتائج.
يستدعي تزامن عرض “الكل يحب تودا” والإعلان عن اختيار “أوتيستو” النظر في موقع الأفلام التي تتناول موضوعات حساسة ضمن البرمجة التلفزيونية، ومقارنة حضورها بفرص الأعمال التي تعتمد المعالجة الاجتماعية أو الدرامية الهادئة. وتظل هذه المقارنة بحاجة إلى معطيات دقيقة عن الإنتاجات التي قُبلت أو رُفضت، وشروط اقتناء حقوق البث، وأسباب إدراج بعض الأفلام وتأجيل أخرى أو استبعادها. فوجود أعمال معينة على الشاشة يتيح طرح أسئلة حول سياسة الاختيار، غير أنه وحده لا يكفي لإثبات وجود تفضيل متعمد أو تفاوت غير مشروع بين الإنتاجات.
تكمن القضية الأساسية في عدالة الاختيار وجودة الأعمال وتعددها، وفي قدرة الشاشة العمومية على خدمة الثقافة السينمائية المغربية بعيداً عن التصنيفات المسبقة والأحكام غير المدعومة بالأدلة.
تفرض طبيعة التلفزيون العمومي مسؤولية ترتبط بتنوع الجمهور وخصوصية المشاهدة داخل البيوت، إذ تصل البرامج إلى فئات عمرية مختلفة، بخلاف القاعات السينمائية التي يختار جمهورها العمل قبل مشاهدته. وتستدعي هذه الخصوصية اعتماد تصنيف عمري مناسب، والتنبيه إلى طبيعة المحتوى عند الحاجة، واختيار توقيت يتلاءم مع الفئات المستهدفة. وتتيح هذه الإجراءات حماية الجمهور مع الحفاظ على حق الأعمال السينمائية في العرض ضمن الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها.
ويقتضي تقييم الأفلام المعروضة التمييز بين الجرأة في تناول الموضوعات والقيمة الفنية للعمل، لأن اختيار قضية حساسة أو تضمين مشاهد مثيرة للجدل يمنح الفيلم خصوصية في المعالجة، من دون أن يشكل دليلاً كافياً على جودته. وتتحدد القيمة السينمائية من خلال عناصر متعددة، تشمل السيناريو وبناء الشخصيات والإخراج وتماسك السرد والقدرة على تقديم رؤية فنية مقنعة. وينطبق المبدأ نفسه على الأفلام الاجتماعية والعائلية والدرامية التي تتجنب المشاهد الصادمة، إذ تستحق التقييم وفق جودة إنجازها ومضمونها، بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بطبيعة موضوعاتها.
ويعيد استعمال مصطلح “السينما النظيفة” النقاش إلى العلاقة بين الفن والقيم الاجتماعية، لأن هذا الوصف يرتبط عادة بالأعمال التي تتجنب المشاهد الجريئة والعبارات الصادمة وتناسب المشاهدة العائلية. ويعبّر المصطلح عن تصور معين للمحتوى المرغوب، غير أن اعتماده معياراً وحيداً لتقييم الأفلام يؤدي إلى اختزال العمل الفني في جانب واحد، مع إهمال عناصر الكتابة والإخراج والمعالجة الدرامية. ويقتضي النقد الموضوعي التمييز بين ملاءمة الفيلم لفئة معينة من المشاهدين ومستواه الفني، مع احترام اختلاف التوجهات السينمائية وحق الجمهور في الاختيار.
يستدعي هذا التوازن إخضاع مختلف الأفلام لمعايير مهنية متسقة، من دون منح الأعمال الجريئة امتيازاً تلقائياً، أو اعتبار خلو الإنتاجات من المشاهد المثيرة للجدل سبباً كافياً لمنحها الأولوية.
ويستدعي هذا التوازن إخضاع مختلف الأفلام لمعايير مهنية متسقة، من دون منح الأعمال الجريئة امتيازاً تلقائياً، أو اعتبار خلو الإنتاجات من المشاهد المثيرة للجدل سبباً كافياً لمنحها الأولوية. فالتنوع السينمائي يقوم على تعدد الموضوعات والأساليب والرؤى، وتتحمل القناة العمومية مسؤولية إتاحة المجال أمام هذه الاختلافات ضمن سياسة برمجية واضحة تراعي الجودة الفنية وحقوق المشاهد وشروط البث.
تثير شكاوى بعض المهنيين بشأن تعثر وصول مشاريعهم إلى القنوات التلفزيونية أسئلة تتعلق بشفافية الاختيار وتكافؤ الفرص بين الإنتاجات المغربية. وقد يربط بعض المنتجين والمخرجين قرارات الرفض بتفضيل أنواع محددة من الأعمال، غير أن إثبات وجود إقصاء متعمد يستوجب وثائق ومعطيات قابلة للتحقق، تشمل شروط المشاركة ونتائج التقييم وأسباب عدم القبول. ويساعد التعامل مع هذه الشكاوى وفق الأدلة المتاحة على فتح نقاش مهني جاد، بعيداً عن تحويل الاتهامات إلى حقائق ثابتة أو تجاهل المطالب المتعلقة بوضوح المعايير.
ويقتضي تحليل قرارات البرمجة الفصل بين رفض مشروع ضمن طلب عروض، وعدم اقتناء حقوق بث فيلم مكتمل، وتأجيل عرض عمل سبق اقتناؤه. فلكل حالة ظروفها وشروطها، وقد ترتبط بميزانية الإنتاج أو حقوق الاستغلال أو توقيت الشبكة أو طبيعة الجمهور المستهدف. كما يختلف عدم إدراج فيلم ضمن برامج قناة معينة عن منعه قانونياً أو رقابياً، وهو تمييز ضروري لفهم طبيعة القرارات وتقييمها وفق أسس دقيقة.
وتعزز الشفافية الثقة بين المؤسسات الإعلامية العمومية والمهنيين العاملين في القطاع السينمائي، خصوصاً عند الإعلان عن شروط المشاركة ومعايير تقييم المشاريع وآليات الاختيار. ويساعد تقديم توضيحات بشأن قرارات القبول والرفض، وفق المساطر المتاحة، على تقليص التأويلات وتوفير تصور أوضح عن فرص المنافسة ومتطلبات الوصول إلى الشاشة. كما يتيح نشر المعلومات المتعلقة بالبرمجة والاقتناء للجمهور فهم الأسس التي تنظم اختيارات القنوات العمومية، ويفتح المجال أمام تقييم مهني يستند إلى الوقائع والمعطيات.
وتستدعي معالجة هذه القضية أيضاً التمييز بين نقد الفيلم من الناحية الفنية ونقد قرار عرضه أو استبعاده. فقد يكون العمل جديراً بالنقاش بسبب السيناريو أو الإخراج أو طريقة معالجة قضية اجتماعية، بينما يرتبط نقد البرمجة بتوقيت البث وشروط الاقتناء وتنوع الإنتاجات وتوزيع فرص العرض. ويسمح الفصل بين هذه المستويات بمناقشة كل جانب وفق معاييره، ويحول دون اختزال القضية في مواقف شخصية أو أحكام عامة على أصحاب الأعمال.
تكتسب بعض الأفلام حضوراً إعلامياً واسعاً بسبب موضوعاتها المثيرة للنقاش، وقد يسهم هذا الاهتمام في زيادة متابعة الجمهور لها. وفي المقابل، قد تحظى الأعمال الاجتماعية والدرامية الهادئة بتغطية أقل، حتى عندما تتناول قضايا ترتبط بالحياة اليومية للمغاربة. ويطرح هذا التفاوت تساؤلات حول موقع الجاذبية الجماهيرية ضمن قرارات الاقتناء والبرمجة، ومدى التوازن بين متطلبات المشاهدة وأهداف دعم السينما الوطنية وإتاحة المجال أمام التجارب الفنية المتنوعة.
ويستدعي تقييم هذا الجانب الاطلاع على معطيات الاقتناء والبث ونسب المشاهدة، فضلاً عن طبيعة الأفلام التي تقدمت للعرض أو لم تحصل على فرصة الظهور ضمن الشبكة البرامجية. وتساعد هذه البيانات على تحديد العوامل المؤثرة في الاختيار، والتمييز بين الاعتبارات الفنية والتجارية والتنظيمية. أما الاكتفاء بمقارنة الأعمال المعروضة بالأعمال الغائبة، من دون معرفة ظروف كل حالة، فيظل أساساً محدوداً للحكم على وجود تفاوت في المعاملة.
يقتضي تقييم الأفلام المعروضة التمييز بين الجرأة في تناول الموضوعات والقيمة الفنية للعمل، لأن اختيار قضية حساسة أو تضمين مشاهد مثيرة للجدل يمنح الفيلم خصوصية في المعالجة، من دون أن يشكل دليلاً كافياً على جودته.
ويحتاج دعم السينما المغربية إلى برمجة تشمل الأعمال الاجتماعية والتاريخية والكوميدية والدرامية والإنتاجات المستقلة، مع مراعاة اختلاف جمهور كل نوع وطبيعة معالجته الفنية. ويتيح هذا التنوع للمشاهد التعرف على تجارب سينمائية متعددة، ويمنح الإنتاجات الأقل حضوراً إعلامياً فرصاً للوصول إلى جمهور أوسع. كما يتطلب الأمر الاهتمام بتوقيت العرض والتعريف بالأفلام والترويج لها، لأن اقتناء العمل وحده يظل محدود الأثر إذا جاء بثه في توقيت ضعيف المشاهدة أو غابت عنه التغطية المناسبة.
وتستوجب مسؤولية الإعلام العمومي مراعاة التوازن بين الأعمال التي تجذب الاهتمام الواسع والإنتاجات التي تحتاج إلى مساحة عرض للتعريف بقيمتها الفنية والاجتماعية. فالشبكة التلفزيونية تمثل نافذة أساسية لوصول السينما المغربية إلى الجمهور، وتتيح البرمجة المتنوعة توسيع دائرة المشاهدة وتعزيز الصلة بين الإنتاج الوطني والمتلقي. ويتحقق هذا الهدف عبر توزيع متوازن لفرص العرض، مع مراعاة جودة الأعمال وشروط البث واحتياجات الجمهور، بعيداً عن حصر الاختيارات في اتجاه فني واحد.
تستدعي معالجة الإشكال توضيح المعايير التي تعتمدها القناة الثانية “دوزيم” في اختيار الأفلام، سواء تعلقت بالجودة الفنية أو حقوق العرض أو ملاءمة المحتوى أو متطلبات الشبكة البرامجية. ويساعد الإعلان عن هذه المعايير على بناء مرجعية مشتركة لتقييم القرارات، مع إتاحة المجال أمام مقارنة الممارسة الفعلية بالشروط المعلنة. كما ينبغي التمييز بين الملاحظات النقدية المتعلقة بمستوى فيلم معين والاعتراضات المرتبطة بقرار اقتنائه أو توقيت بثه، لأن الخلط بين هذه المستويات يحول النقاش من تقييم مهني إلى أحكام عامة يصعب التحقق منها.
ويتيح عرض “الكل يحب تودا” والإعلان عن اختيار “أوتيستو” فرصة لمناقشة طبيعة الاختيارات السينمائية على القناة الثانية، غير أن هاتين الحالتين وحدهما لا تكفيان لإثبات وجود ازدواجية متعمدة. ويتطلب تقييم تكافؤ الفرص الاطلاع على الأعمال الأخرى التي تقدمت للعرض أو اقتناء الحقوق، ومعرفة أسباب قبولها أو رفضها، وفحص مدى اتساق القرارات مع المعايير المهنية المعتمدة. ويمنح هذا المنهج النقاش أساساً أدق، ويجنب اختزال القضية في مقارنة انطباعية بين أفلام حاضرة وأخرى غائبة.
ويستوجب تطوير سياسة برمجية واضحة وقابلة للمساءلة إعلان شروط الاختيار، وتوضيح إجراءات تقييم المشاريع، وتوسيع مساحة التنوع داخل الشبكة، واحترام حق المشاهد في التعرف على طبيعة المحتوى، مع إتاحة الفرصة أمام مختلف الاتجاهات الفنية للتنافس وفق قواعد متسقة. وتكمن القضية الأساسية في عدالة الاختيار وجودة الأعمال وتعددها، وفي قدرة الشاشة العمومية على خدمة الثقافة السينمائية المغربية بعيداً عن التصنيفات المسبقة والأحكام غير المدعومة بالأدلة.
ويظل السؤال الجوهري متعلقاً بكيفية ضمان فرص متوازنة للأفلام المغربية داخل البرمجة التلفزيونية، وتوفير معلومات كافية عن المعايير التي تحدد حضور بعض الأعمال وغياب أخرى. فالمطلوب تقييم الأفلام المعروضة من الناحية الفنية، وفحص قرارات البرمجة من الناحية المهنية، ومناقشة الأعمال التي لم تصل إلى الشاشة وفق معطيات واضحة. وبهذا المنهج يصبح النقاش منصباً على جودة الإنتاجات وعدالة الاختيار وتنوع العرض، مع الحفاظ على حق الجمهور في مشاهدة تجارب سينمائية مختلفة، ودعم حضور السينما المغربية على الشاشة العمومية.
#دوزيم #القناة_الثانية #السينما_المغربية #أوتيستو #الكل_يحب_تودا #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #السينما_والتلفزيون #التلفزيون_العمومي #برمجة_الأفلام #اختيار_الأفلام #تكافؤ_الفرص #شفافية_الاختيار #حرية_الإبداع #الجرأة_في_السينما #السينما_النظيفة #قيم_المجتمع_المغربي #الأفلام_المغربية #الإنتاج_السينمائي #دعم_السينما_المغربية #حقوق_البث #صناعة_السينما #الجمهور_المغربي #التنوع_السينمائي #النقد_السينمائي #النقد_الفني #السياسة_البرمجية #الإعلام_العمومي #الثقافة_المغربية #المشهد_السينمائي_المغربي











Leave a Reply