الناقد الجديد – عبدالرحيم الشافعي
يطرح دعم الإنتاج السينمائي في المغرب أسئلة متجددة حول عدالة توزيع الموارد العامة، ونجاعة المعايير المعتمدة في اختيار المشاريع، ومدى مساهمة التمويل العمومي في تطوير الصناعة السينمائية. ورغم وجود آليات مؤسساتية وصناديق مخصصة لهذا الغرض، تظل الحاجة قائمة إلى مراجعة الأولويات وتطوير أساليب التقييم والمراقبة، بما يضمن استفادة المشاريع الجادة، ويعزز المردودية الثقافية والاقتصادية للإنفاق العمومي.
وتتطلب معالجة هذا الملف التمييز بين دعم السينما باعتبارها نشاطاً ثقافياً يحتاج إلى الرعاية، وتمويل المشاريع وفق معايير واضحة تسمح بتقييم نتائجها. فالمسألة لا تتعلق بإلغاء الدعم أو اختزاله في الإيرادات التجارية، وإنما ببناء سياسة متوازنة تراعي القيمة الفنية، والوصول إلى الجمهور، والمشاركة في المهرجانات، وفرص التوزيع، والاستدامة المالية، مع ضمان تكافؤ الفرص أمام مختلف الأجيال والتجارب.
وتثير بعض الحالات تساؤلات حول مصير الأفلام بعد عرضها الأول، ومدى استفادتها من فرص التوزيع، وحجم الإيرادات التي تحققها، والجوائز التي تنالها. كما يستدعي تكرار استفادة بعض الأسماء من التمويل مراجعة النتائج السابقة للمشاريع المنجزة، على أساس معايير معلنة وموحدة. وفي المقابل، يستحق صناع الأفلام الذين ينجحون بتمويل ذاتي أو بموارد محدودة مساراً واضحاً للولوج إلى برامج الدعم، استناداً إلى نتائج أعمالهم وجودة مشاريعهم الجديدة.
أربعة أجيال ضمن سياسة دعم متوازنة
يقتضي تطوير منظومة الدعم اعتماد تصور يراعي اختلاف التجارب المهنية ومراحل تطور الصناعة السينمائية المغربية. ويمكن الاستئناس بتقسيم صناع الأفلام إلى أربعة أجيال، مع تجنب تحويل هذا التصنيف إلى امتياز ثابت أو معيار وحيد للاستفادة من التمويل.
جيل الرواد والتأسيس
يستحق المخرجون الذين أسهموا في بناء السينما المغربية الاعتراف بمكانتهم التاريخية، مع ربط الاستفادة من الدعم بوجود مشاريع جديدة قابلة للتنفيذ. فالخبرة المتراكمة تمثل عنصراً مهماً في تقييم الملفات، غير أن الاستمرارية المهنية وجودة المشروع والالتزام المالي تظل عناصر أساسية عند اتخاذ القرار. ويتيح هذا المنهج الحفاظ على الخبرات المتراكمة، مع فتح المجال أمام مشاريع جديدة تستجيب للتحولات الفنية والتقنية.
جيل الثمانينيات والتسعينيات
يمثل هذا الجيل مرحلة مهمة في تطور الإنتاج السينمائي المغربي، وتستحق تجاربه السابقة دراسة موضوعية لقياس أثرها الفني والجماهيري. وينبغي أن يستند تقييم المشاريع الجديدة إلى سجل الأعمال السابقة، ومستوى التوزيع، والحضور في المهرجانات ذات القيمة، والإيرادات المتحققة عند توافر البيانات. ويساعد هذا التوجه على التمييز بين الخبرة المهنية الفعلية والاستفادة من التمويل استناداً إلى الأقدمية وحدها.
جيل الألفية الجديدة
دخل هذا الجيل مرحلة اتسمت بتوسع التكوين الأكاديمي والانفتاح على التجارب الدولية والتحولات الرقمية. ويستدعي دعم مشاريعه تقدير فرص التجديد في الكتابة والإخراج والإنتاج، مع إخضاع الميزانيات وخطط التوزيع والترويج لتقييم واقعي. ولا يكفي وصف المشروع بالجديد أو التجريبي لمنحه التمويل؛ إذ ينبغي توضيح إضافته الفنية، والجمهور المستهدف، وخطة استثماره ثقافياً واقتصادياً.
الجيل الحالي
يواجه صناع الأفلام الشباب تحولات متسارعة بفعل المنصات الرقمية وتغير عادات المشاهدة وارتفاع تكاليف الإنتاج والترويج. ويحتاج هذا الجيل إلى مسارات دعم مرنة تشجع التجريب وتتيح فرصاً للمواهب الجديدة، مع إلزام المستفيدين بخطط إنتاج وتوزيع واضحة. وينبغي أن تراعي المعايير خصوصية الأفلام المستقلة، مع تقييم فرص وصولها إلى الجمهور عبر القاعات والمنصات والمهرجانات والقنوات الثقافية.
دعم صناع الأفلام خارج المنظومة الرسمية
يستدعي إصلاح السياسة السينمائية فتح مسارات واضحة أمام المنتجين والمخرجين الذين ينجزون أفلامهم بتمويل ذاتي أو بميزانيات محدودة، ثم يحققون نتائج جماهيرية أو نقدية ملموسة. فنجاح هذه التجارب يستحق الدراسة، سواء تعلق الأمر بالإيرادات أو اتساع قاعدة المشاهدين أو فرص التوزيع أو الحضور في المهرجانات.
ويتيح اعتماد سجل موثق للنتائج السابقة بناء آلية أكثر انفتاحاً لاستقبال المشاريع الجديدة، مع ضمان خضوع جميع المتقدمين للشروط نفسها. ويمكن إحداث مسارات تمويل مخصصة للأعمال التي أثبتت جدواها التجارية، إلى جانب برامج مستقلة للأفلام الفنية والتجريبية والأعمال الأولى، تفادياً لفرض نموذج واحد للنجاح على مختلف أشكال التعبير السينمائي.
ويحتاج هذا التوجه إلى التمييز بين نجاح فيلم تجارياً ونجاحه فنياً، إذ لا تعني الإيرادات المرتفعة بالضرورة تحقق قيمة فنية عالية، كما لا يعني ضعف المداخيل انعدام الأثر الثقافي. ويضمن اعتماد مؤشرات متعددة قراءة أكثر إنصافاً للنتائج، ويمنح صناع الأفلام فرصاً تتناسب مع طبيعة مشاريعهم وأهدافها.
تفكيك خرافة سينما المؤلف والمهرجانات
يستدعي النقاش حول سينما المؤلف والأفلام الموجهة إلى المهرجانات مراجعة المعايير التي يُقيّم على أساسها الدعم العمومي. فبعض الأعمال تستهدف جمهوراً واسعاً وتسعى إلى تحقيق إيرادات تجارية، فيما تتوجه أعمال أخرى إلى جمهور متخصص، أو تركز على التجريب الفني، أو تطرح قضايا اجتماعية وثقافية لا تحظى دائماً بانتشار واسع.
ويقتضي الإنصاف عدم اعتبار شباك التذاكر المقياس الوحيد لنجاح الفيلم، كما يقتضي تجنب منح صفة القيمة الفنية لكل عمل لمجرد مشاركته في مهرجان. وينبغي تقييم المشاريع وفق مؤشرات محددة تشمل جودة السيناريو، والرؤية الإخراجية، وكفاءة الإنتاج، وخطة التوزيع، وفرص الوصول إلى الجمهور، والمشاركة في المهرجانات، والجوائز المحققة، والأثر الثقافي عند توافر وسائل قياسه.
ويستدعي استمرار تمويل الأعمال ذات النتائج المحدودة مراجعة أسباب التعثر، مع التمييز بين المخاطر الطبيعية المرتبطة بالإبداع والاختلالات الناتجة عن ضعف التخطيط أو غياب التوزيع أو عدم الالتزام بالميزانية. ويساعد تحليل هذه العوامل على تحسين القرارات المستقبلية، عوض الاكتفاء بالحكم على الأفلام من خلال أرقام الإيرادات أو عدد الجوائز.
صيانة المال العام عن طريق الربح مقابل الربح
تحتاج منظومة الدعم إلى قواعد واضحة تضمن سلامة التدبير المالي، وتحدد مسؤوليات المنتجين والمستفيدين والجهات المشرفة. وينبغي أن تتضمن العقود التزامات دقيقة بشأن صرف الأموال، وتقديم الوثائق المحاسبية، واحترام آجال الإنجاز، والإفصاح عن الإيرادات، وتسوية الالتزامات المالية وفق القوانين المعمول بها.
ويعزز نشر معايير الانتقاء، وتوضيح أسباب قبول المشاريع أو رفضها، والإعلان عن مبالغ الدعم الممنوحة، الثقة في المؤسسات المشرفة على القطاع. كما تتيح التقارير الدورية تتبع مراحل الإنتاج والتوزيع، وتحديد الصعوبات التي تواجه الأفلام بعد إنجازها، وقياس مدى احترام المستفيدين لالتزاماتهم التعاقدية.
ويقتضي التعامل مع حالات الإخلال المالي اعتماد إجراءات قانونية متناسبة مع طبيعة المخالفة، مع ضمان حق المعنيين في الرد والطعن وفق المساطر المعمول بها. وينبغي أن يؤدي ثبوت التلاعب أو اختلاس الأموال أو تقديم بيانات مالية مضللة إلى المساءلة واسترداد المستحقات وفق القانون، دون الخلط بين التعثر التجاري المشروع والمخالفات المالية المثبتة.
ويعزز ربط الاستفادة المستقبلية بتقييم موضوعي للمشاريع السابقة مبدأ المسؤولية، شريطة مراعاة اختلاف الميزانيات والأنواع السينمائية وظروف التوزيع. فالمحاسبة الفعالة لا تقوم على العقاب التلقائي بسبب ضعف الإيرادات، وإنما على فحص أسباب النتائج، والتحقق من سلامة التدبير، وقياس مدى احترام الالتزامات المتفق عليها.
السينما استثمار ثقافي واقتصادي
تستدعي السياسة السينمائية الناجعة النظر إلى الدعم باعتباره استثماراً في الثقافة والاقتصاد وفرص الشغل والصورة الدولية للمغرب. وتظهر آثار هذا الاستثمار في تشغيل التقنيين والفنانين، وتنشيط شركات الإنتاج والخدمات، وتحفيز التصوير داخل البلاد، وتوسيع فرص التوزيع، وتعزيز جاذبية المغرب للإنتاجات الأجنبية، إلى جانب الأثر الثقافي للأعمال الوطنية.
ويقتضي قياس المردودية اعتماد مؤشرات متنوعة، تشمل حجم التشغيل، ونسب إنجاز المشاريع، وانتشار الأفلام في القاعات والمنصات، والإيرادات المتحققة، وفرص التوزيع الخارجي، والمشاركة في المهرجانات، والجوائز، والأثر الثقافي. ويساعد هذا التنوع على تفادي اختزال قيمة الدعم في معيار واحد، مع إتاحة المقارنة بين المشاريع وفق طبيعتها وأهدافها.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مراجعة دورية للمعايير، وإحداث مسارات متخصصة للأفلام التجارية والأعمال الفنية والمشاريع الأولى، وتوسيع فرص الاستفادة أمام المنتجين المستقلين، وربط التمويل بخطط واضحة للإنتاج والتوزيع والترويج. كما يتطلب الإصلاح توفير بيانات موثوقة عن الأموال المصروفة والنتائج المحققة، بما يسمح للمهنيين والجمهور بتقييم السياسة العمومية على أسس موضوعية.
وتقوم الرؤية المستقبلية على تحقيق التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية المالية، وبين دعم التجارب الجديدة ومكافأة الالتزام المهني، وبين القيمة الفنية والجدوى الاقتصادية. ويظل الهدف بناء صناعة سينمائية مغربية قادرة على الاستمرار والتجدد، مع ضمان شفافية الإنفاق العمومي وتكافؤ الفرص وصيانة حق الجمهور في الاستفادة من ثقافة سينمائية متنوعة.











Leave a Reply