banner

 معضلة تأخر رواتب المبدعين في الدراما التلفزيونية المغربية

إلى متى يظل المخرجون وكتاب السيناريو رهائن الدفعات المتقطعة وانتظار أشطر التمويل العمومي؟

عبدالرحيم الشافعي

تحتل الدراما التلفزيونية المغربية مكانة متقدمة ضمن أبرز أشكال التعبير الثقافي في المملكة إذ تستقطب سنوياً ملايين المشاهدين خصوصاً في الموسم الرمضاني الذي يتحول فيه الشاشة الصغيرة إلى مرآة جماعية لمخيال المغاربة. لكن تصطدم هذه الصناعة الواعدة رغم ثقلها الرمزي بمعضلة بنيوية متجذرة تتمثل في تأخر رواتب المخرجين وكتّاب السيناريو لأشهر طويلة ريثما يُصرف الدعم الحكومي والجهات الوصية عليه. ويتخطى هذا الاختلال حدود العطب الإداري العابر ليتحول إلى عبث بنيوي يهدد استمرارية الفعل الإبداعي ويُجهض طاقات المواهب الصاعدة.

banner

ويتصدر الاعتماد شبه الكلي لإنتاج الدراما التلفزيونية المغربية على الدعم الحكومي قائمة التحديات البنيوية التي ينوء بها القطاع، ذلك أن جل الأعمال تُموَّل عبر تسبيقات على المداخيل ومنح انتقائية في غياب شبه تام لبدائل تمويلية موازية. فتحوّل هذا النموذج الذي صُمم أصلاً كآلية حمائية للإبداع الوطني في زمن ندرة التمويل الخاص إلى قيد بنيوي يُبطئ إيقاع الإنتاج ويُعطل تسوية المستحقات المالية. بينما يباشر المخرجون وكتاب السيناريو وفق هذا المنطق مشاريعهم استناداً إلى وعود تمويلية هشة فينتظرون بعد استكمال التصوير والمونتاج شهوراً طويلة قبل قبض أجورهم كاملة، وهو ما يُثقل كاهلهم بضغوط مالية جسيمة تصطدم بالتزامات أسرية ومهنية يومية لا تحتمل التأجيل. فيتقلص جراء ذلك هامش قدرتهم على التخطيط الاستراتيجي لمشاريع مستقبلية، وتتآكل حتى قدرتهم على ممارسة الفعل الإبداعي بالانضباط الفني المطلوب.

banner

وتستأثر حفنة محدودة من شركات الإنتاج بمعظم سوق الدراما التلفزيونية المغربية في وضعية شبه احتكارية تُضعف بالضرورة آليات المساءلة والرقابة على تدبير الأجور. إذ تُبرم هذه الشركات عقوداً ضخمة مع القنوات العمومية والخاصة وتتذرع في المقابل كلما استُفسرت عن تأخير الدفعات بانتظار أشطر الدعم القادمة من الجهات الحكومية في خطاب دفاعي يُعيد إنتاج نفسه موسماً بعد آخر. بينما يفضح هذا النمط من التبرير المتكرر عمق الخلل في شفافية تدبير الميزانيات ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التزام هذه الشركات تجاه من يمنحها مادتها الإبداعية الأولى. عندما يسهر المخرج ليالي طويلة على التحضير والتصوير والإشراف الدقيق على تفاصيل العمل بينما يُرجأ حقه المالي أشهراً بلا مسوّغ مقنع. كما يستنزف كاتب السيناريو بدوره أسابيع أو أشهراً في البحث والكتابة والمراجعات المتلاحقة دون أي ضمانة مالية آنية.

ويمسّ تأخر الرواتب جوهر الفعل الإبداعي ذاته لا هامشه الإداري فحسب، إذ يدفع المبدعين إلى استعجال الإنجاز أو الرضوخ لشروط مجحفة تلبيةً لضغوط معيشية آنية. يعجز المخرج المثقل بالهواجس المالية في غير قليل من الحالات عن التفرغ الكامل للجانب الجمالي أو انتقاء طاقم عمل بالمستوى المهني الذي يليق بالعمل. فيستسلم كاتب السيناريو بدافع الضرورة المادية لقبول مشاريع متعددة متزامنة وهو ما يُفضي حتماً إلى تسطيح النصوص وتآكل أصالتها الفنية. ويفسر هذا المعطى البنيوي جزئياً الانتقادات النقدية المتكررة الموجهة للأعمال الرمضانية بخصوص هشاشة السيناريوهات والتقشف البصري رغم ضخامة الاعتمادات المرصودة لها.

banner

ويجب أن تؤدي نقابات الفنانين والمبدعين في المغرب حرصاً متواصلاً على الدفاع عن حقوق منخرطيها ولا تنتظر الدعم هي الاخرى، لكي لا تصطدم جهودها هذه مع ذلك بعوائق بنيوية تحول دون فرض آليات ملزمة تضمن صرف الرواتب في آجال معقولة. ويجب أن تدعو هذه النقابات إلى تفعيل أنجع لقوانين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وإلى تأطير تعاقدي أكثر صرامة للعلاقة بين المنتجين والمبدعين. بينما تُعطل البيروقراطية الإدارية مقترنة بالاتكال المفرط على الدعم الحكومي مسار هذه المطالب المشروعة، فيجد المبدعون أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع شركات إنتاج تمتلك نفوذاً مالياً وشبكة علاقات مؤسساتية راسخة.

ويستدعي هذا الاختلال البنيوي تدخلاً تشريعياً أكثر حزماً يُقرن التأخير غير المبرر بعقوبات رادعة. ويفرض الواقع أيضاً استحداث صندوق ضمان اجتماعي خاص بالفنانين يكفل حداً أدنى من الاستقرار المالي في فترات الانتظار. في حين يستمر في غياب هذه الإصلاحات منسوب الاحتقان وترتفع احتمالات هجرة الكفاءات نحو أسواق أكثر استقراراً.

ويعد غياب نموذج اقتصادي مستدام للإنتاج الدرامي المغربي أحد الأسباب الجذرية العميقة لاستمرار أزمة تأخر الرواتب إذ يظل القطاع رهين مصدر تمويلي وحيد شبه دائم التأخر. ويقتضي تجاوز هذا المأزق الانفتاح على الشراكات الدولية والتصدير نحو المنصات الرقمية والأسواق العربية الناشئة عوضاً عن الاقتصار على الدعم العمومي وحده. ويستوجب هذا التحول الاستراتيجي استثماراً حقيقياً في تطوير سيناريوهات رفيعة المستوى وإنتاجات ذات هوية ثقافية فريدة قابلة للتصدير خارج الحدود الوطنية. في حين يفرض أيضاً تكويناً متخصصاً للمبدعين في آليات التمويل البديلة والتسويق الدولي.

ويظل السؤال  مطروحاً : إلى متى سيستمر هذا العبث بحق المبدعين في الدراما التلفزيونية المغربية وبأي مسوّغ أخلاقي أو قانوني تُواصل شركات الإنتاج ممارسة هذا السلوك غير المسؤول؟

#معضلة_تأخر_رواتب_المبدعين #الدراما_التلفزيونية_المغربية #كتاب_السيناريو #المخرجون #حقوق_المبدعين #التمويل_العمومي #الإنتاج_التلفزيوني #الدراما_المغربية #الفن_المغربي #صحيفة_الناقد_الجديد

banner

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings