السينما المغربية ونكبة غياب كتب الأبجديات

استعراض الأفكار لاكتساب صبغة المثقف السينمائي مرض يخسف بالنقد السينمائي في المغرب

عبدالرحيم الشافعي

يبدأ عادة أي بناء معرفي أو نقدي متين في دراسة تخصص  فن معين من الأبجديات، خاصة السينما: أي التأريخ الدقيق، التوثيق المؤسسي، وسير الرواد، ورسم الخرائط الزمنية والمادية للفن السابع بصناعه. أمّا في السينما المغربية، نجد بكل صراحة أن النقاد والكتاب انقلبوا على هذا المنطق الطبيعي تمامًا. انكبّوا لعقود على الثانويات النظرية: جماليات السينما، شاعرية الصورة، فلسفة الفيلم، علاقة السينما بالأدب والشعر والمدينة واللغة، والتطبيقات المباشرة لنظريات غربية، فيما غابت أو ضعفت الكتب التأسيسية الأساسية. وهذه الطامة الكبرى جعلت معظم الإنتاج النقدي يقفز فوق فراغ تاريخي ومؤسسي، ويخدم أكثر حضور المهرجانات وتوقيعات الكتب الزائفة من خدمة القارئ والطالب والباحث.

ويلاحظ المتتبع للمكتبة السينمائية المغربية أن أغلب الإصدارات تتركز حول مواضيع متقدمة نظريًا، مثل جماليات الفيلم الوثائقي، أو المونتاج، أو “الصورة والمعنى”، أو “السينما والفكر”، أو “شاعرية السينما”، أو “السينما والمدينة”، أو “السينما والمكان”، وغيرها من العناوين الفجة التي لا تخدم جوهر إنتاج الأفلام المغربية. بينما ينتج الأساتذة الجامعيون أشباه النقاد كتبًا تدمج تخصصاتهم الأدبية أو الفلسفية مع أفلام مغربية مختارة، لكنها غالبًا ما تبقى بعيدة عن الواقع المادي للإنتاج والرقابة والتمويل. وهذا التوجه النظري الطافي هو، في الحقيقة، من أجل حضور المهرجانات الدولية وتوقيعات الكتب، وأخذ الصور، والتباهي والاستعراض، بعيدًا كل البعد عن أي بناء معرفة سينمائية مغربية متجذرة. مثل استعراض سيرجي آيزنشتاين في نظرية المونتاج الجدلي، ودزيغا فيرتوف في سينما العين، ورودولف أرنهايم وبيلا بالزر، وأندريه بازان عن الواقعية والتسجيل المباشر للواقع، ونظرية المؤلف التي روّج لها فرانسوا تروفو ومجلة “كراسات السينما”، وكريستيان ميتز في السينما كلغة رموز، ولورا مالفي في النظرية النسوية، وجيل دولوز وسلاڤوي جيجك بمقاربات فلسفية.

ويثير هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا ومحرجًا: هل يعقل أن نجد عشرات الكتب عن جماليات الفيلم والذوق والاستطيقا أو سيرجي آيزنشتاين في نظرية المونتاج الجدلي، ودزيغا فيرتوف في سينما العين، ورودولف أرنهايم وبيلا بالزر، وأندريه بازان عن الواقعية والتسجيل المباشر للواقع، ونظرية المؤلف التي روّج لها فرانسوا تروفو ومجلة “كراسات السينما”، وكريستيان ميتز في السينما كلغة رموز، ولورا مالفي في النظرية النسوية، وجيل دولوز وسلاڤوي جيجك بمقاربات فلسفية، بينما يغيب كتاب مرجعي شامل بالعربية يروي تاريخ السينما المغربية منذ أفلام لويس لوميير سنة 1897، مرورًا بالفترة الاستعمارية والاستقلال، وصولًا إلى اليوم بتفاصيل زمنية ومؤسسية دقيقة؟ يفضل أشباه النقاد الطفو النظري لأنه أسهل وأكثر بريقًا أكاديميًا، فيما يتطلب التوثيق التاريخي الشامل جهدًا ميدانيًا شاقًا وطويل الأمد وبحثًا أرشيفيًا مضنيًا لا يُكافأ في الترقيات الجامعية.

ويغيب تمامًا كتاب مرجعي مخصص لتاريخ الأندية السينمائية، رغم دورها الحاسم في تكوين الجمهور والنقاد والمبدعين على مدى عقود؛ إذ كانت هذه الأندية مدارس موازية حقيقية علمت أجيالًا كيف يرون السينما وكيف يناقشونها، لكن يتجاهلون توثيقها مفضلين دراسات وهمية استعراضية مزيفة عن “شاعرية الصورة” أو “السينما واللغة”. وهذا الغياب يفقدنا جزءًا أساسيًا من التاريخ الثقافي للسينما كممارسة مجتمعية حية.

ويتجاهل معظم الكُتاب تاريخ الرواد من مخرجين وتقنيين وممثلين ومنتجين في شكل قاموس أو موسوعة شاملة، ورغم جهود فردية محدودة مثل سلسلة “وجوه من المغرب السينمائي” لأحمد السجلماسي التي وصلت إلى أجزاء متعددة منذ 2018 وتوثق سير رواد قبل 1960 مثل محمد عصفور وغيره، أو كتاب “المغرب السينمائي: معطيات وتساؤلات” له سنة 1999، وتبقى هذه المحاولات متفرقة وغير كافية، إذ يفضل الأساتذة كتابة فصول نظرية عن “سينما فلان أو علان” مستلهمين جيل دولوز أو أندريه بازان أو كلايف بيل، دون أن يوثقوا سير رواد السينما المغربية وواقعهم المهني وتحدياتهم الإنتاجية والرقابية والمادية.

وتشكل هذه الأبجديات: التأريخ الشامل، توثيق الأندية، قواميس الرواد، والفيلموغرافيا المفصلة، الأساس الذي لا يمكن لأي دراسة نقدية أو فلسفية الاستغناء عنه، إذ أن هناك محاولات جديرة بالتقدير مثل “أبحاث في السينما المغربية” لمصطفى المسناوي (1999/2001)، أو كتاب “تاريخ السينما في المغرب: من أواخر القرن التاسع عشر إلى سنة 1912” لبوشتى المشروح (2023)، أو “الفيلموغرافيا السينمائية المغربية.. الأفلام الطويلة من 1955 إلى 2024” (2025) ضمن سلسلة السجلماسي، لكنها تبقى جزئية أو فردية أو محدودة زمنيًا، ولا تشكل بعدُ الموسوعة الشاملة المرجعية التي يحتاجها الباحث، بينما يبقى نقاد بدون نقد  القفز مباشرة من النظريات الغربية ويطبقونها كإسقاطات جاهزة على أفلام مغربية، فيغيب الفهم العميق للظروف المادية والسياسية والاقتصادية.

ويفعل النقاد وكتاب السينما هذا الخلل طوال عقود لأسباب بنيوية واضحة، أهمها كي يكسبوا مصداقية أكاديمية سريعة وترقيات جامعية بالاستشهاد بالمدارس الغربية الواقعية والشكلية ودولوز وبازان، فيما يتطلب كتابة التاريخ الحقيقي أو توثيق الأندية بحثًا جماعيًا شاقًا وتعاونًا مع المركز السينمائي والأرشيفات، بينما جمعية الفشلة تفضل النظرية على التوثيق لأن الأولى تنشر بسهولة في مجلات دولية وتُقدم في مؤتمرات، بينما الثاني يبقى مهمة ميدانية غير مجزية أكاديميًا. وهذه هي الطامة الكبرى التي أعاقت نمو نقد سينمائي مغربي أصيل.

ويتبين أن كثيرًا مما كُتب ليس دراسات عضوية نابعة من الواقع المغربي، وإنما إسقاطات مباشرة لأفكار غربية مترجمة؛ إذ يطبق مفهوم الصورة-حركة أو نظريات المونتاج أو الشكلية مباشرة على أفلام مغربية دون إعادة صياغتها في السياق المحلي أو اختبار صلاحيتها على أرض الواقع، وغياب الكتب التأسيسية الشاملة يجعل هذه الكتابات معلقة، مرجعها الوحيد هو المكتبة الغربية وبعيد كل البعد عن التجربة المغربية الحية والمادية.

ويفتقر حتى الجيد من هذه الدراسات إلى التدرج المنهجي العلمي الأساسي، إذ يجب أن يبدأ البحث بجمع الحقائق والوقائع: تاريخ، فيلموغرافيا، سير، سياقات إنتاجية، ثم التحليل، ثم النظرية، بينما في السينما المغربية يبدأ أشباه النقاد مباشرة بالتأويل الفلسفي أو الجمالي. وهذا يشبه طالبًا يريد كتابة رسالة دكتوراه في الأدب المغربي دون أن يقرأ الروايات الأساسية أو يعرف تاريخ النشر والسياقات الاجتماعية. ويتعذر في غياب هذه الأساسيات بناء منهج نقدي أصيل أو تأريخ علمي متراكم، فكيف يختبر الناقد أدواته النظرية دون معطيات موثوقة عن السياقات الإنتاجية والمؤسسية والرقابية؟

ويبقى النقد السينمائي في المغرب مجموعة من الرؤى الذاتية المتقاطعة والمتكررة، لا مدرسة نقدية تبني جيلًا بعد جيل وتتراكم فيها المعرفة، فالأساتذة الجامعيون في هذا الباب، رغم علمهم النظري، ساهموا في تعميق هذا الخلل بسبب انفصالهم النسبي عن الممارسة السينمائية الحقيقية والميدانية. ويتطلب الخروج من هذه المأساة إرادة جماعية واضحة ومؤسسية: مشاريع موسوعية لتاريخ السينما، قواميس شاملة للرواد، كتب متخصصة في الأندية السينمائية والتلفزيون، وأرشفة رقمية مفتوحة، كما يجب أن يسبق التوثيقيُ النظريَ، وأن ينطلق النقد من الواقع المحلي قبل استيراد الأدوات الغربية، فالسينما المغربية غنية بما يكفي لتستحق أبجدياتها الخاصة بها.

فهل حقًا هؤلاء نقاد حقيقيون أم مزيفون، أي يُسقطون نظريات غربية على أفلام مغربية؟ وإذا كانوا فعلًا قد ساهموا في الخزانة السينمائية بكتب قيّمة كما يُشاع، فهل يُعقل أن يتم ذلك دون أبجديات الدراسة والبحث، أي دون معرفة التاريخ أولًا؟ وهل توجد دراسة في فنٍّ معيّن من دون مرجعية تاريخية صلبة؟

#السينما_المغربية #الناقد_السينمائي_عبدالرحيم_الشافعي #موقع_الناقد_الجديد #النقد_السينمائي #هيمنة_التنظير #غياب_الأبجديات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings