يضع الحكم القضائي الجديد الصادر بحق المخرج الإيراني جعفر بناهي مسيرته أمام منعطف جديد، في وقت يواصل فيه حضوره على الساحة السينمائية الدولية بفضل أعمال أثارت اهتمام النقاد والمهرجانات الكبرى. فقد أعلن محاميه مصطفى نيلي صدور حكم غيابي يقضي بسجنه خمسة أعوام وشهرًا، إلى جانب تدابير تشمل مصادرة ممتلكاته وحرمانه من السفر واستخدام منصات التواصل الاجتماعي لمدة عامين، وفق ما أوردته تقارير إعلامية الأربعاء.
وتعود بداية الكشف عن القضية إلى تجميد الحسابات المصرفية للمخرج، الأمر الذي دفعه إلى التواصل مع محاميه لمعرفة أسباب الإجراء. وبعد مراجعة الجهات القضائية، اكتشف الطرفان صدور الحكم في غياب بناهي. وأشار نيلي إلى أن ملف القضية اعتبر موكله خارج إيران، رغم عودته إلى البلاد في مارس الماضي.
ولم تتضح تفاصيل الاتهامات المرتبطة بالحكم الأخير، فيما تأتي القضية ضمن سلسلة من الإجراءات القانونية التي لاحقت المخرج على مدى سنوات. فقد سبق أن واجه عقوبة بالسجن لمدة عام على خلفية اتهامه بالدعاية ضد النظام، إلى جانب قيود أخرى أثرت في حياته المهنية والشخصية. ويبقى تنفيذ الحكم الجديد مرتبطًا بالإجراءات التي تتخذها السلطات المختصة.
وتكتسب القضية اهتمامًا واسعًا بالنظر إلى المكانة التي حققها بناهي في السينما العالمية، خصوصًا عقب فوز فيلمه «حادث بسيط» بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2025. وقد ساهم هذا التتويج في تعزيز حضور المخرج على الساحة الدولية، فيما تواصل أعماله إثارة النقاش حول قضايا العدالة والذاكرة والعنف السياسي.
وتدور أحداث الفيلم حول أشخاص سبق أن تعرضوا للاعتقال، قبل أن تجمعهم مواجهة مع رجل يعتقدون أنه شارك في تعذيبهم. ومن خلال هذه المواجهة، تتشابك الرغبة في الانتقام مع البحث عن الحقيقة، وتبرز صعوبة الفصل بين الألم الشخصي والمسؤولية الأخلاقية. ويمنح هذا البناء الدرامي المشاهد فرصة للتأمل في آثار التعذيب على الضحايا، وفي الخيارات التي يواجهها الإنسان عندما يجد نفسه أمام ماضٍ لم يتمكن من تجاوزه.
ويأتي العمل ضمن تجربة سينمائية انشغلت طويلًا بالإنسان في مواجهة القيود والخوف، مع اهتمام خاص بتفاصيل الحياة اليومية تحت الضغوط السياسية والاجتماعية. وقد اختار بناهي في عدد من أفلامه الاقتراب من موضوعات حساسة، مستفيدًا من أساليب سردية بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح المجال أمام قراءات متعددة للواقع الإيراني.
وتعود المواجهة بين المخرج والسلطات إلى عام 2010، حين صدر بحقه حكم بالسجن ستة أعوام، مع فرض حظر على صناعة الأفلام وكتابة السيناريوهات والسفر إلى الخارج لمدة عشرين عامًا. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، تمكن من مواصلة نشاطه السينمائي عبر وسائل إنتاج غير تقليدية، وأنتج أعمالًا حافظت على حضوره في المهرجانات الدولية.
ومن بين الأفلام التي أنجزها خلال تلك المرحلة «هذا ليس فيلمًا» و«تاكسي» و«لا دببة». وقد تناولت هذه الأعمال القيود التي تحيط بحياة الأفراد، والصعوبات التي تواجه الفنان في التعبير عن أفكاره، إلى جانب تفاصيل اجتماعية تكشف التباين بين التجربة الفردية والواقع المحيط بها. كما أصبحت ظروف إنتاج بعض هذه الأفلام جزءًا من النقاش النقدي حول علاقة الإبداع بالرقابة.
وفي يوليو 2022، أُعيد اعتقال بناهي على خلفية تنفيذ حكم سابق، وقضى قرابة سبعة أشهر في السجن قبل الإفراج عنه في فبراير 2023. ولم تؤدِّ عودته إلى العمل بعد الإفراج إلى إنهاء المتاعب القانونية، إذ ظلت مسيرته مرتبطة بقضايا وقيود متعاقبة.
وتندرج تجربة بناهي ضمن واقع أوسع واجهه عدد من العاملين في المجال السينمائي الإيراني، مع اختلاف ظروف كل قضية وأسبابها. فقد تعرض بعض المخرجين والفنانين لإجراءات قضائية أو قيود على الحركة والعمل عقب تقديم أعمال تناولت قضايا سياسية واجتماعية خلافية. وتثير هذه الحالات نقاشًا مستمرًا حول حدود الرقابة، والضمانات القانونية المتاحة للفنانين، وقدرتهم على العمل في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الثقافية والسياسية.
كما يطرح الحكم الغيابي الصادر بحق بناهي أسئلة حول آليات إبلاغ المتهمين بالأحكام والإجراءات المتبعة في مثل هذه القضايا. وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة عندما تتصل القرارات القضائية بحرية التنقل والعمل والحقوق المالية، وهي جوانب قد تترك آثارًا مباشرة على حياة الفنان وقدرته على مواصلة نشاطه.
ومع ذلك، تتمتع السينما الإيرانية بتاريخ غني وتجارب متنوعة، ولا يمكن حصرها في القضايا المرتبطة بالرقابة والملاحقات. فقد استطاع مخرجون من أجيال مختلفة تقديم أعمال لاقت اهتمامًا عالميًا، وتناولت موضوعات إنسانية واجتماعية متعددة. وتظل تجربة بناهي إحدى الحالات التي تبرز الصعوبات التي قد تواجه صناع الأفلام عند تناول موضوعات تثير خلافًا مع الجهات الرسمية.
ويعيد الحكم الأخير تسليط الضوء على التباين بين استقبال أعمال بناهي في المهرجانات العالمية والظروف القانونية التي يعيشها داخل إيران. ففي الخارج، تحظى أفلامه بالتكريم والنقاش النقدي، بينما تلاحقه في بلاده أحكام وإجراءات قد تحد من حريته وقدرته على التنقل وممارسة مهنته.
وتبقى القضية مفتوحة على تطورات قانونية جديدة، في انتظار اتضاح تفاصيل الحكم والإجراءات المرتبطة به. وفي الوقت نفسه، تستمر أفلام بناهي في الوصول إلى جمهور دولي، لتطرح عبر شخصياتها وحكاياتها أسئلة حول السلطة والعدالة وحقوق الإنسان، وتؤكد حضور السينما بوصفها مجالًا للنقاش حول التجارب الفردية والتحولات الاجتماعية.
وبين مسيرة فنية حافلة بالجوائز وسجل قضائي متواصل، تتخذ تجربة جعفر بناهي أهمية تتجاوز حدود حياته الشخصية، لتفتح بابًا للنقاش حول الظروف التي يعمل فيها الفنانون، وحول قدرة السينما على الوصول إلى الجمهور في ظل القيود المفروضة على إنتاجها وتداولها.
#جعفر_بناهي #السينما_الإيرانية #السينما_العالمية #حادث_بسيط #مهرجان_كان #السعفة_الذهبية #حرية_التعبير #حرية_الإبداع #الرقابة_السينمائية #حقوق_الفنانين #أخبار_السينما #مخرجون_إيرانيون #هذا_ليس_فيلما #تاكسي #لا_دببة #السينما_المستقلة #الأفلام_الإيرانية #العدالة #حقوق_الإنسان #السينما_والسياسة #الملاحقات_القضائية #حرية_الفن #النقد_السينمائي #مهرجانات_سينمائية #عبدالرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد











Leave a Reply