يطرح المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، الذي تنظمه جمعية أبي رقراق تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، مفارقة ثقافية تتجاوز حدود برمجته. فمنذ تأسيسه، راكم المهرجان حضوراً قوياً لقضايا المرأة، وفتح مساحات للأفلام والندوات والتكريمات واللقاءات والكتب. ويثير حضور الكتاب داخل هذه التظاهرة سؤالاً يرتبط بطبيعة الإنتاج الثقافي المغربي نفسه، خاصة مع محدودية المؤلفات النسائية المتخصصة في النقد السينمائي والفيلموغرافيا بأقلام نسائية. فالمهرجان يجد أمامه رصيداً محدوداً من الكتب التي تتناول السينما من زاوية نسائية، سواء تعلق الأمر بتوثيق تاريخ السينما المغربية، أو دراسة تجارب المخرجات، أو تحليل صورة المرأة داخل الأفلام. ومن هنا تتجاوز المسألة حدود الاختيار البرمجي لتكشف عن فراغ أوسع داخل مجال الكتابة السينمائية المتخصصة.
تبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى تطور حضور المرأة داخل صناعة السينما المغربية خلال العقود الأخيرة. فقد برزت مخرجات وممثلات وكاتبات ومنتجات راكمن تجارب متعددة داخل المغرب وخارجه، ونجحن في فرض حضورهن داخل مجالات الإبداع والإنتاج السينمائي. بينما هذا الحضور القوي في صناعة الفيلم لم يجد امتداداً مماثلاً في صناعة الكتاب السينمائي. فبينما أصبحت أسماء نسائية جزءاً من المشهد السينمائي المغربي، ظل حضور المرأة في النقد المتخصص والتوثيق والفيلموغرافيا محدوداً إلى درجة كبيرة.
ويضم المشهد المغربي مؤلفات نقدية وتوثيقية تناولت المرأة والسينما المغربية بأقلام نقاد وباحثين، من بينهم حسن نرايس في كتاباته حول المرأة خلف الكاميرا وأمامها، وعبد الكريم واكريم في قراءاته للتجارب السينمائية النسائية المغاربية، إلى جانب أعمال أحمد سيجلماسي في مجال التوثيق والفيلموغرافيا. وقد ساهمت هذه الأعمال في حفظ جانب مهم من الذاكرة السينمائية المغربية، ووفرت للباحثين والمهتمين مواد تساعد على قراءة تطور السينما الوطنية. وتطرح هذه التجربة في الوقت نفسه سؤالاً حول غياب تراكم نسائي مماثل، خصوصاً مع اتساع عدد التجارب النسائية داخل صناعة الفيلم.
ويحتاج وصف هذا الوضع إلى قدر من الدقة. فالحديث عن شح الكتب النسائية في النقد السينمائي والفيلموغرافيا يقود إلى ملاحظة أعمق تتعلق بضعف حضور الناقدات المتخصصات في هذا المجال. فالمشهد المغربي يفتقر إلى أسماء نسائية راكمت إنتاجاً نقدياً سينمائياً منتظماً في شكل كتب ودراسات منشورة. وقد توجد مساهمات نسائية في مقالات صحفية أو أبحاث جامعية أو دراسات متفرقة، غير أن هذه المساهمات لم تتحول إلى رصيد مستمر من الكتب المتخصصة التي تؤسس لتقليد نقدي نسائي في السينما المغربية.



وترتبط هذه الوضعية بمجموعة من العوامل تتصل بالنشر والبحث والتمويل والمسار الأكاديمي واستمرارية العمل النقدي. فإعداد كتاب في النقد السينمائي أو الفيلموغرافيا يحتاج إلى سنوات من البحث وجمع المعلومات والتوثيق والمراجعة، إلى جانب وجود ناشر قادر على إخراج العمل إلى القراء. ويحتاج المشروع أيضاً إلى بيئة ثقافية تشجع الباحثين والباحثات على مواصلة الاشتغال في هذا المجال، وإلى مجلات ومنابر ثقافية تتيح للنقد السينمائي فرصة التراكم والتطور. وعندما ينتقل الباحث من مقال أو دراسة جامعية إلى مشروع كتاب، يجد أمامه تحديات مرتبطة بسوق النشر وبمحدودية تداول الكتاب السينمائي المتخصص.
ويجد مهرجان سلا نفسه أمام هذه المعطيات عند إعداد فقراته المرتبطة بالكتاب والفكر. فالمهرجان يستطيع توفير مساحة للكتاب والنقاش، لكنه لا يستطيع بمفرده إنتاج رصيد من المؤلفات المتخصصة غير المتوفر أصلاً داخل المشهد الثقافي المغربي. لذلك تحضر في برنامجه كتب فكرية وسوسيولوجية وأدبية مرتبطة بقضايا المرأة، باعتبارها جزءاً من الحقل الثقافي الذي يشتغل عليه المهرجان. فالتظاهرة لا تقتصر على عرض الأفلام، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول وضع النساء وحقوقهن وتمثيلاتهن ودورهن داخل المجتمع.
وتوضح الدورة التاسعة عشرة هذا التوجه من خلال الاحتفاء بإرث فاطمة المرنيسي وتقديم ترجمات عربية لأعمالها، إلى جانب كتاب “المساواة بين النساء والرجال.. النسويات في الاختبار” لعائشة بلعربي. وتأتي هذه المؤلفات ضمن نقاش فكري يرتبط بقضايا المرأة والمجتمع والتحولات الثقافية. ويكتسب حضورها داخل مهرجان يهتم بفيلم المرأة دلالة خاصة، لأنها توفر مادة فكرية تساعد على توسيع النقاش حول الموضوع، في ظل محدودية الكتب المغربية المتخصصة في السينما التي تكتبها نساء.
وهنا تبرز الحاجة إلى الاشتغال على كتب تتناول تاريخ المخرجات المغربيات وتجاربهن الجمالية، وتحلل حضور المرأة داخل الفيلم المغربي، وتدرس التحولات التي عرفتها صورة المرأة على الشاشة، إلى جانب إعداد أعمال توثق مسار النساء داخل الصناعة السينمائية لكن بأقلام نسائية. فالأسماء التي برزت خلال السنوات الأخيرة، مثل مريم التوزاني وأسماء المدير وياسمين بنكيران وليلى كيلاني وفاطمة جبلي الوزاني، وغيرها من المخرجات، تقدم مادة غنية تحتاج إلى قراءة نقدية وتوثيقية تحفظ تفاصيل تجاربها وتضعها ضمن سياق تطور السينما المغربية.
وتكتسب الفيلموغرافيا أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تقدم سجلاً يساعد الباحثين والقراء على تتبع الأفلام والمخرجين وتحولات الصناعة السينمائية عبر الزمن. وعندما يكون حضور النساء محدوداً في إعداد الفيلموغرافيات، تبقى جوانب من التجربة النسائية السينمائية بحاجة إلى التوثيق والبحث. فالفيلم وحده يحفظ جزءاً من التجربة، بينما يحتاج تاريخ السينما إلى كتب ودراسات ووثائق وشهادات تساعد على بناء ذاكرة متكاملة.
ويرتبط هذا الفراغ ببنية الإنتاج الثقافي نفسها. فتطوير الكتابة النسائية في مجال السينما يحتاج إلى دور للجامعات في تشجيع البحث، وإلى مجلات ومنابر ثقافية تفتح المجال أمام النقد، وإلى دور نشر تهتم بالكتاب السينمائي، وإلى مؤسسات ثقافية تمنح الباحثات فرصاً للعمل والتوثيق. كما يحتاج المجال إلى مشاريع مشتركة تجمع الجامعات والمهرجانات والمؤسسات السينمائية ودور النشر، بهدف تحويل الأبحاث الجامعية والمقالات المتخصصة إلى كتب قابلة للتداول.
يصبح غياب الكتاب النسائي في النقد السينمائي والفيلموغرافيا أكثر من نقص في عناوين المكتبة المغربية، فهو يرتبط أيضاً بطريقة بناء الذاكرة السينمائية. فقد قطعت المرأة المغربية مسافة مهمة داخل صناعة الفيلم، أمام الكاميرا وخلفها، وراكمت تجارب في الإخراج والتمثيل والكتابة والإنتاج، بينما ظل حضورها في صناعة المعرفة حول السينما محدوداً. وتحتاج هذه التجارب إلى من يكتب عنها ويوثقها ويحللها ويضعها ضمن تاريخ السينما المغربية.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً يتجاوز حدود مهرجان سلا: كيف يمكن بناء ذاكرة سينمائية نسائية مغربية مع محدودية الكتب المتخصصة وندرة الناقدات السينمائيات؟ يحتاج الجواب إلى مشروع ثقافي طويل النفس يجمع بين الجامعة والنشر والنقد والمهرجانات والمؤسسات السينمائية. ومن خلال هذا المسار يمكن الانتقال من حضور المرأة في صناعة الفيلم إلى حضورها أيضاً في صناعة المعرفة المتعلقة بالسينما.
ويظل مهرجان سلا في هذه الحالة مرآة لواقع ثقافي قائم أكثر من كونه سبباً فيه. فعندما يخصص مساحة للكتاب ويجد أمامه محدودية في الإنتاج السينمائي النسائي المتخصص، فإنه يتعامل مع المادة الثقافية المتاحة، فيفتح برنامجه أمام الكتب الفكرية والأدبية والسوسيولوجية المرتبطة بقضايا المرأة. ويبقى التحدي الحقيقي خارج حدود المهرجان، في بناء تقاليد نقدية وتوثيقية نسائية تمنح الباحثات والناقدات فرصة إنتاج كتب ودراسات وفيلموغرافيات حول السينما المغربية. عندها فقط يمكن أن يجد الحضور النسائي القوي داخل صناعة الفيلم امتداداً طبيعياً له داخل الكتاب، وأن تتحول التجارب المتفرقة إلى ذاكرة مكتوبة تحفظ تاريخ النساء في السينما المغربية للأجيال المقبلة.
#الكتاب_السينمائي #الكتابة_النسائية #النقد_السينمائي #النقد_النسائي #الناقدات_السينمائيات #السينما_المغربية #السينما_المغربية_المعاصرة #الفيلموغرافيا #الفيلموغرافيا_المغربية #توثيق_السينما #تاريخ_السينما_المغربية #الذاكرة_السينمائية #الذاكرة_السينمائية_النسائية #المرأة_والسينما #المرأة_في_السينما #النساء_في_السينما #المخرجات_المغربيات #الكاتبات_المغربيات #النقد_الفني #النقد_الثقافي #البحث_السينمائي #الدراسات_السينمائية #الكتاب_المغربي #النشر_الثقافي #دور_النشر #الجامعة_والسينما #البحث_الأكاديمي #المهرجانات_السينمائية #مهرجان_سلا #مهرجان_سلا_الدولي_لفيلم_المرأة #فيلم_المرأة #سينما_المرأة #قضايا_المرأة #فاطمة_المرنيسي #عائشة_بلعربي #مريم_التوزاني #أسماء_المدير #ياسمين_بنكيران #ليلى_كيلاني #فاطمة_جبلي_الوزاني #حسن_نرايس #عبد_الكريم_واكريم #أحمد_سيجلماسي #صناعة_السينما #المعرفة_السينمائية #صحيفة_الناقد_الجديد








Leave a Reply