جوائز دراما رمضان: هل يحتاج الفنان المغربي إلى تروفي يصدأ أم إلى قيمة مالية تخدم أسرته؟

عبدالرحيم الشافعي

يستمر في كل رمضان مشهد يثير الاشمئزاز والغضب في الوسط الفني والثقافي المغربي، عندما تتحول الدراما الوطنية من فضاء إبداعي حقيقي إلى سوق مفتوح لتوزيع التروفيات الزائفة التي لا تميّز بين الإبداع الفني الرفيع والرداءة السطحية، وإنما تمنح الجميع تكريماً مجانياً مقابل الحضور والعلاقات فقط، وهذا الواقع المُر الذي يتكرر سنوياً  هو تعبير عن أزمة بنيوية عميقة في منظومة الثقافة والفنون بالمغرب، إذ يغيب تماماً أي تقييم موضوعي أو مشاهدة فعلية للأعمال الدرامية ويحل محله نظام معقد من العلاقات الشخصية والمصالح السياسية والإعلامية الذي يستغل هذه الحفلات كأداة دعائية رخيصة للحصول على دعم وزاري أو حزبي، وهذت يجعل الجمهور يفقد الثقة نهائياً في أي تتويج يُعلن بعد انتهاء الشهر الفضيل ويحول الفن إلى سلعة في سوق المحسوبية.

هل يُقاس الفنان الجاد بنفس مقياس المؤدي الفارغ؟

ويتجلى علنا أن أبرز هذه التظاهرات لجوائز الدراما الرمضانية يعتمد على تكريم عشرات الفنانين والمخرجين والكتاب والمنتجين دون أي تصنيف فني دقيق أو تقارير تحكيم مكتوبة ومفصلة، لماذا” لأن الحفل كله يركز على الصور الاحتفالية والحضور السياسي والثقافي والتصريحات الإعلامية العامة عوضا عن مناقشة أي تحليل نقدي واضح أو مقارنة موضوعية بين المسلسلات المتنافسة، وهذا الدليل الملموس يثبت أن لجان التحكيم لا تشاهد الحلقات كاملة وإنما تعتمد على الدعاية الإعلامية والتقارير الصحفية السطحية فقط، وهذا يحوّل التتويج إلى احتفال اجتماعي فارغ من أي قيمة فنية حقيقية ويُذكّرنا بما حذّر منه بيار بورديو عن التلفزيون من أن الإعلام يمنح رأس مال رمزي زائف للأحداث الدعائية دون أن يقدم أي محتوى نقدي حقيقي.

ويبرز الخلل الأخطر والأعمق في غياب أي معايير موضوعية واضحة كأفضل سيناريو أو أفضل إخراج أو أفضل أداء درامي أو أفضل إنتاج فني، فالجميع يعود بتروفي بمجرد أن يكون اسمه مدرجاً في اللائحة الدعائية او حضر  فقط، وهذا ليس رأي شخصي  وإنما واقع موثق في تغطيات الحفل نفسه التي تتحدث عن تكريم نجوم الدراما دون ذكر أي أسباب فنية أو مناقشة لجودة الأعمال رغم الانتقادات الواسعة التي وجهت لمعظم الإنتاجات الرمضانية بسبب التكرار والضعف الدرامي والاستنساخ، وهنا يأتي دور النقد الحقيقي كما أكده ماهر منصور في كتابه القيم “نقد الدراما التلفزيونية بين مرجعيات المسرح والسينما” الذي يشدد على ضرورة أن يعتمد النقد الدرامي على مشاهدة كاملة ومقارنة فنية دقيقة بين مرجعيات المسرح والسينما والتلفزيون ليكون حكماً موضوعياً وليس توزيعا للتروفيات.

هل المبدعون يساوون التقنيون في الجوائز؟

ويبرز النقاد والجمهور المغربي على أن هذه الجوائز تُنظم أساساً لأغراض دعائية بحتة، إذ تستغل المؤسسات الإعلامية الصغيرة أو الجمعيات الثقافية الحدث للحصول على دعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل أو المركز السينمائي المغربي، ودليل ذلك الإسراف غير المبرر في عدد الفائزين الذي يصل أحياناً إلى عشرات الأسماء في حفل واحد يجمع كبار الفنانين دون أي منافسة حقيقية،  وهذا حقيقة يحوّل التتويج إلى عملية تجارية تُكتب فيها تقارير النشاط السنوية لضمان التمويل الرسمي عوضا عن خدمة الإبداع الحقيقي ويؤكد هذا الواقع ما جاء في كتاب “لدراما التليفزيونية – رحلة نقدية” للدكتورة عزة أحمد هيكل الذي ينتقد تحول الدراما التلفزيونية إلى أداة تجارية تفتقر إلى النقد الجاد.

  ويفقد الجمهور الثقة تدريجياً وبشكل مطرد في كل ما يُقدم تحت اسم “جوائز الدراما” لأنه يعرف جيداً أن الجودة الحقيقية غائبة تماماً فبينما تثير المسلسلات الرمضانية انتقادات حادة وواسعة حول الاستنساخ والتأثر السلبي بالدراما الخارجية والضعف في البناء الدرامي نجد أن الجوائز توزع عليها جميعاً دون تمييز أو نقاش وهذا التناقض الواضح يصبح أكثر إثارة للشك عندما نعلم أن بعض المنظمين الإعلاميين يستفيدون من دعم وزاري أو رعاية رسمية لتنظيم حفلاتهم الدعائية، وهذا يجعل التتويج  أداة لتعزيز العلاقات السياسية والإعلامية ويخالف تماماً ما أكده النقد التلفزيوني في كتب مثل”نقد الدراما التلفزيونية” التي تطالب بتقييم يعتمد على الجودة الفنية بالأساس.

هل يُقاس الإبداع بنفس مقياس العمل التقني؟

ويهين هذا النمط الرديء الفنانين أنفسهم الذين يستحقون تقييماً صادقاً ومحترماً فالممثل المغربي المحترف لا يريد تروفياً يُمنح له  فقط لأنه حضر حفلاً مدعوماً وزارياً أو حزبياً ، وإنما يريد أن يُقارن عمله بمعايير موضوعية دقيقة كما يحدث في المهرجانات الحقيقية، وليس طمرة عندي ومرة عندك” كما يصفها الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عندما تكون الجهة المنظمة منبراً إعلامياً يستغل الحدث لتعزيز حضوره الدعائي بدعم رسمي وهذا الإهانة للفن تتعارض مع روح النقد الذي دعا إليه بورديو عندما حذر من تحول الثقافة إلى سلعة رمزية فارغة.

ويساهم غياب الشفافية التامة في تمويل هذه الأحداث وفي آليات التحكيم في تدني مستوى التنافس الفني إذ تكتفي معظم التظاهرات بتروفيات رخيصة تتلف مع الزمن دون أي قيمة مادية أو معنوية تشجع على الإبداع الحقيقي ودليل ذلك أن الفنانين أنفسهم يعترفون في تصريحات غير رسمية بأن هذه الجوائز لا تُضيف شيئاً لمسيرتهم الفنية وإنما تُستغل فقط للدعاية، بينما يثير تساؤلاً كبيراً حول كيفية حصول منبر إعلامي أو جمعية مرتبطة بتيار سياسي على دعم وزاري دون إعلان واضح عن مصادر التمويل وآليات الرقابة المستقلة وهذا يخالف المبادئ النقدية التي تطالب بجوائز تعبر عن التميز الحقيقي و الاجتهاد الفني بعيد عن  المصالح المتبادلة.

إذا كانت الجوائز للفن والإبداع… لماذا يُقحم السياسيون؟

ويعيق هذا الوضع المتردي تطور الدراما المغربية بشكل عام ويحولها إلى حلقة مفرغة، فعوض أن تدفع الجوائز نحو تحسين السيناريوهات والإخراج والتمثيل والإنتاج نجد أنها تكرس الاجترار والتكرار والنمطية، وهذا يفسر لماذا تفشل الإنتاجات الرمضانية سنوياً في كسب ود الجمهور رغم الإمكانيات التقنية المتوفرة إذ يعلم المنتجون أن التتويج مضمون بغض النظر عن الجودة، طالما كانت العلاقات مع الجهات المنظمة المدعومة رسمياً قوية مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يخدم الدعم الوزاري أو الحزبي الفن حقاً أم يخدم فقط المصالح الضيقة للمنظمين والإعلاميين؟

ويتطلب الخروج من هذه الأزمة الخانقة إصلاحاً جذرياً وشاملاً يبدأ بإنشاء مهرجانات دراما رمضانية مستقلة تماماً تشاهد كل الأعمال كاملة ولجان تحكيم محايدة عن أي ارتباط إعلامي أو سياسي وتصنيفات واضحة وجوائز مالية رمزية وتقارير نقدية شفافة تُنشر علناً للجمهور، وإلا فإن الفن المغربي سيظل يدور في حلقة مفرغة من التروفيات الزائفة المدعومة رسمياً التي لا تخدم إلا المصالح الإعلامية والسياسية الضيقة، بينما يستحق الجمهور المغربي والمبدعون احتفاءً حقيقياً يعتمد على الجودة الفنية لا على الحضور والعلاقات والدعم المشبوه، فهل نريد فعلا ان نرتقي بالدراما  والمسرح و السينما المغربية فنيا أم سنغرق في المحاباة و تبادل المصالح؟

عبدالرحيمالشافعي #الناقدالجديد #الدراماالمغربية #درامارمضان #جوائزالدراما #النقدالفني #تروفييصدأ #جوائزبلاقيمة #الفنالمغربي #الإعلامالمغربي #أزمةالدراما

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings