عبدالرحيم الشافعي
تُجسّد الفنانة المغربية هاجر كريكع، خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ، نموذجًا مشرقًا للفنانة الملتزمة التي تجمع بين خبرة الخشبة والشاشة ورؤية عميقة في تقييم الإبداع. وهذا العام تشاركت هاجر كريكع في لجنتي تحكيم مرموقتين: الأولى ضمن مهرجان مكناس للدراما التلفزيونية في دورته الـ15 (أبريل 2026)، كمساهمة في تقييم المسلسلات والسلسلات الكوميدية إلى جانب رئيس اللجنة الدكتور علال الحجام والإعلامي المختار لغزيوي. أما الثانية فستكون في مهرجان آسفي الوطني لسينما المدارس (الدورة الرابعة)، ضمن لجنة تضم نخبة من الفنانين المغاربة الخريجين من، والتي تتميز بتنوعها وشغفها باكتشاف المواهب الشابة ودعم الإبداع التربوي السينمائي. حضورها في هاتين التجربتين يضفي على اللجنتين بُعدًا احترافيًا وإنسانيًا، مستلهمًا من مسيرتها الغنية في المسرح والسينما، وخاصة أدائها المؤثر في فيلم “موفيطا “
أثبتت الممثلة المغربية موهبتها وقدرتها على التقمص والتنويع بين الشخصيات عبر المسرح والسينما والتلفزيون، ودورها في فيلم “الثلث الخالي” للمخرج فوزي بنسعيدي، الذي عرض في المهرجان الوطني للفيلم في دورته الـ24 ومهرجان كان الدولي، كان من أصعب الأدوار التي أدتها وأكثرها أهمية. واعتبرت هذا الدور فرصة كبيرة لإيصال رسائل تعكس واقع الحياة اليومية للمشاهد المغربي، مؤكدة أن نجاح الفيلم يعتمد على تكامل فريق العمل وتضافر جهود المجموعة بأكملها.
وأعاد فيلم “الثلث الخالي”، وهو الفيلم الروائي السادس لفوزي بنسعيدي، إحياء نقاشات حول تآكل الفردانية بأسلوب مستوحى من روح أفلام الويسترن، وقدم لأول مرة في مهرجان كان عام 2023 ضمن قسم أسبوعي المخرجين، حيث أثار إعجاب النقاد والمشاهدين، واستمر نجاحه بعرضه في الدورة العشرين لمهرجان مراكش ضمن العروض الاحتفالية، ليحصد إشادة واسعة وتقديرا عميقا لمستواه الفني والفكري.
ولعبت هاجر كريكع دور الأم (بطلة الفيلم)، وتُجسد صورة المرأة المغربية الصامدة التي تواجه العوز والمرض والخيانة العائلية بقوة وكرامة. أداؤها وُصف بأنه مؤثر جدًا وصادق، وهو ما أعادها بقوة إلى الواجهة السينمائية بعد فترة. هي تعتبر التجربة “إنسانية صادقة”، وأشادت بأن الفيلم يقدم مرآة حقيقية للواقع المغربي. والفيلم حصل على صدى إيجابي كبير عند النقاد والجمهور، وعُرض في مهرجانات مثل مهرجان مراكش الدولي، وحقق تفاعلاً جيدًا. شارك فيه ممثلون آخرون مثل محمد مروا وعبد الغني الصناك، ويُعتبر من الأعمال المهمة في السينما المغربية المعاصرة التي تناقش قضايا اجتماعية بحساسية وجرأة.
وشكّل مسلسل “بنت بلادي” محطة بارزة في المسيرة الفنية للممثلة المغربية هاجر كريكع، إذ يعتبر من أقرب الأعمال إلى قلبها، كونه أول تجربة درامية لها بعد التخرج. لم تكن مشاركتها في هذا العمل وليدة الصدفة، بل جاءت بعد تألقها في مسرحية “قصة حب” للمخرج فوزي بنسعيدي، ما دفع الراحلين سعدالله عزيز وخديجة أسد إلى اختيارها لدور رئيسي في المسلسل. وقد نجح العمل في تسليط الضوء على قضايا المرأة المغربية، مبرزا قوتها وصمودها ونضالها لتحقيق أحلامها، بينما قدمت كريكع شخصية صحفية شابة تعكس نموذجا حقيقيا للمرأة المغربية الطموحة والمكافحة.
خاضت هاجر كريكع تجربة مميزة عام 2023 مع فيلم “الثلث الخالي”، السينمائي الذي شارك في المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة في دورته الـ24. وقد أتاح لها هذا العمل فرصة نادرة لتجسيد دور شقيقتين توأم، وهو تحدٍّ مختلف تماما عن تجاربها التلفزيونية. وأكدت كريكع أن العمل السينمائي يمنح مساحة فنية وتقنية أكثر حرية مقارنة بالإنتاجات التلفزيونية، حيث تفرض الأخيرة إيقاعا زمنيا أسرع وأحيانا ضغوطا تؤثر على الأداء.
ويعتبر مسلسل “شهادة ميلاد” بجزأيه الأول والثاني من أبرز التحديات التي خاضتها، حيث تطلب منها العمل في مسلسل يمتد على 60 حلقة مجهودا خاصا للحفاظ على تطور شخصية سعيدة، مع تجنب التكرار وضبط إيقاع الأداء مع تعاقب الأحداث والمواقف المختلفة. ورغم صعوبة تنوع أماكن التصوير، إلا أن التحدي الأكبر بالنسبة لها كان الحفاظ على روح الشخصية طوال العمل، وهي تجربة وصفتها بالممتعة والمثرية.
وأثبتت كريكع حضورها من خلال فيلم “خفة الرجل”، فقدمت دورا يعتمد على كوميديا الموقف، وليس على الشخصية الكوميدية المباشرة. وقد عبّرت عن إعجابها بهذا النوع من الأدوار، مؤكدة أن تجربة الفيلم كانت ممتعة، وساعدها الإيمان الكامل بالشخصية على تقديم أداء نال استحسان الجمهور. كما أبدت رغبتها في خوض المزيد من التجارب التي تعتمد على هذا الأسلوب الكوميدي، لما يحمله من تحدٍّ يجمع بين الأداء التمثيلي الجاد والطابع الفكاهي الذكي.
وخاضت هاجر كريكع مغامرة في مسلسل “قضية العمر”، وجسدت دور فتاة على كرسي متحرك، وهو ما تطلب منها دراسة معمقة للشخصية وتدريبا مكثفا خارج الكاميرا، وشعرت في البداية بالخوف بسبب ندرة الأدوار المشابهة في الدراما المغربية، لكنها قررت مواجهة التحدي بجدية، فتعلمت كيفية التعامل مع الكرسي المتحرك، ما جعلها تدرك الصعوبات التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة، خاصة في ظل قلة الولوجيات، متمنية أن تتحسن أوضاعهم لتسهيل حياتهم اليومية، بينما تظل متواجدة في الساحة المسرحية، في انتظار مشاريع تلفزيونية جديدة.
بدأت كريكع مسيرتها مع فرقة أفروديت المسرحية، وصقلت موهبتها وحصدت ثلاث جوائز مهمة عن أدوارها في مسرحيات، حصلت الأولى عام 2006 عن أدائها في مسرحية “نوستالجيا” من إخراج رضا العبدلاوي وعبدالمجيد الهواس خلال المهرجان الوطني بمكناس، والتي كانت مشروع تخرجها من المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي، ونالت الثانية عام 2008 عن مسرحية “حديقة معلقة” من إخراج عبدالمجيد الهواس ونص يوسف فاضل، بينما جاءت الثالثة عام 2013 عن مسرحية “الدموع بالكحول” للمؤلف عصام اليوسي وإخراج أسماء هوري في المهرجان الوطني للمسرح بمكناس.
واجتهدت مؤخرا في مسرحيتين جديدتين، الأولى بعنوان “الخلا والقيفار” من إخراج عادل أبا تراب، والثانية “تكنزا” من إخراج أمين ناسور. تبتعد هذا العام عن خشبة المسرح كونها عضوا في لجنة الدعم المسرحي ودعم جولات الفرق الوطنية، إلا أنها تواصل نشاطها السينمائي، كما انتهت مؤخرا من تصوير فيلم “وقت سيء” للمخرج معدان الغزواني، متمنية أن ينال إعجاب الجمهور عند عرضه في القاعات السينمائية قريبا.
وحظيت هاجر كريكع بتكريم خاص في الدورة الحادية عشرة لمهرجان الفدان للمسرح بتطوان، الذي أقيم تحت شعار الاحتفاء بالإبداع المسرحي المحلي والعربي، وعبرت عن سعادتها الكبيرة بهذه اللحظة التي تعتبرها شهادة تقدير لمسيرتها الطويلة في مجال المسرح.
وأكدت في كلمتها أن مهرجان الفدان يعد من أهم التظاهرات المسرحية التي تحتفي بالإبداع الفني، متمنية أن يتحول إلى منصة عالمية تجمع بين مختلف الثقافات المسرحية، ولعبت دورا بارزا في تعزيز ثقافة المسرح في مدينة تطوان التي تعتز بها، وقدمت عدة عروض مسرحية أظهرت مدى تعلق جمهور المدينة بالفن المسرحي.
وشاركت الممثلة المغربية هاجر كريكع في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية التي تميزت بتنوع أدوارها وثراء شخصياتها، مثل “فرحة مؤقتة” و”حرير الصابرة” الذي جسدت فيه شخصية زهراء، إلى جانب مشاركتها في فيلم “الثلث الخالي”، كما تألقت في مسلسل “حديدان وبنت الحراز”، ولعبت دور سعيدة في الجزأين الأول والثاني من مسلسل “شهادة ميلاد”، وظهرت أيضا في أعمال مثل “قضية العمر” و”المدني”، بينما أدت دور كلثوم في فيلم “خفة الرجل”، بالإضافة إلى مشاركاتها في أفلام مثل “ماكانش على البال” و”صمت الذاكرة”. كما برزت في مسلسل “صدى الجدران” بدور أمينة، وفيلم “القرصان الأبيض” وفيلم “ظل الجريمة”، وتجمع مسيرتها بين التنوع والتميز ما جعلها واحدة من أبرز وجوه الفن المغربي.
#عبدالرحيم_الشافعي | موقع الناقد الجديد #هاجر_كريكع_حضور_فني_راقٍ_في_لجنتي_تحكيم_مكناس_وآسفي











Leave a Reply