أكد المخرج المغربي عمر لطفي في حديثه مع صحيفة “الناقد الجديد”، أن النجاح الذي يحققه فيلمه “كازا كيرا” داخل القاعات السينمائية المغربية لم يكن وليد الصدفة، لأنه نتيجة اشتغال طويل على فهم انتظارات الجمهور المغربي، مشددًا على أن أرقام شباك التذاكر تظل المعيار الحقيقي لقياس نجاح أي عمل سينمائي، سواء عُرض في القاعات أو شارك في المهرجانات.
وأوضح لطفي أن تقييم الجمهور هو الفيصل الأول والأخير، معتبرًا أن السينما لا يمكن أن تعيش بمعزل عن الناس وقصصهم اليومية، وأن ما يعيشه الفيلم اليوم من إقبال يؤكد وجود تحوّل واضح في ذائقة المتفرج المغربي، الذي بات يبحث عن أعمال قريبة من واقعه بلغة بسيطة وممتعة، بعيدًا عن الخطابات المعزولة عن القاعات.
وتوقف المخرج عند الشراكة التي جمعته بالمنتج العالمي ريدوان، موضحًا أن هذه التجربة وفّرت شروطًا مهنية عالية، سمحت بإنجاز عمل ترفيهي متقن يمزج بين الكوميديا، التشويق والأكشن دون التفريط في الهوية المحلية، مؤكدًا أن السينما الجماهيرية لا تتناقض مع الجودة الفنية، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفيلم على التواصل مع المتلقي.
وأشار عمر لطفي إلى أن تجاوز “كازا كيرا” لحاجز 200 ألف تذكرة في فترة وجيزة يبرز تعطّش الجمهور المغربي لأفلام تحاكي واقعه، مضيفًا أن القاعات السينمائية لا تمتلئ بالشعارات، وإنما بالقصص الصادقة والقريبة من الناس، وهو ما يعبر عن ثقة الجمهور في الإنتاجات المنجزة خارج منظومة الدعم التقليدي..
وأوضح لطفي أن شخصية إسماعيل، الخارج من السجن، ليست سوى مدخل سردي لاستكشاف الفوضى والعبث الكامنين في المدينة، معتبرًا أن مطاردة الذهب تمثل استعارة رمزية عن البحث عن الخلاص داخل مجتمع مليء بالمفارقات، كما أكد أن اختيار مدينة الدار البيضاء لم يكن اعتباطيًا، باعتبارها فضاءً يختزل التناقضات الاجتماعية ويمنح السرد إيقاعه المتوتر والساخر في آن واحد.
وأبرز المخرج أن العمل مع أسماء فنية مثل أنس الباز، كريمة غيث، رشيد رفيق، وإلياس المالكي، منح الفيلم تنوعًا أدائيًا واضحًا، موضحًا أن الرهان كان على الكيمياء الجماعية بين الممثلين أكثر من التركيز على البطولة الفردية، كما أشاد بسيناريو المهدي شهاب، الذي وصفه بالمحكم إيقاعيًا والقادر على الموازنة بين الضحك والتشويق.
وانتقد عمر لطفي القطيعة التي تعاني منها بعض أفلام المؤلف المدعومة مع الجمهور، موضحًا أن الإشكال لا يكمن في الدعم في حد ذاته، وإنما في غياب التواصل مع المتفرج، معتبرًا أن السينما الوطنية لا يمكن أن تُبنى فقط على الاعترافات الرمزية والمشاركات المهرجانية، لأنها تحتاج إلى استمرارية اقتصادية وثقافية تضمن بقاء القاعات السينمائية مفتوحة.
وتحدث لطفي عن الأغنية الخاصة بالفيلم، معتبرًا إياها جزءًا من السرد السينمائي وليست مجرد أداة ترويجية، مشيرًا إلى أن السينما الشعبية عالميًا ارتبطت بالموسيقى باعتبارها أسرع طريق للوصول إلى الذاكرة الجماعية، وهو ما عزز حضور الفيلم داخل القاعة وخارجها بفضل خبرة ريدوان الموسيقية..
وقدم عمر لطفي “كازا كيرا” باعتباره بيانًا عمليًا يدافع عن سينما جماهيرية واعية، قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة بين الترفيه والجودة، ومؤكدًا أن استعادة ثقة الجمهور تمثل المدخل الحقيقي لمستقبل السينما المغربية. كما اعتبر هذه التجربة محطته الثانية في الإخراج بعد فيلمه “البطل”، مشيرًا إلى أن التفاعل الكبير منذ العروض الأولى في الدار البيضاء والجديدة فاق توقعاته..
وأكد لطفي أن الضجة التي رافقت الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في توسيع دائرة النقاش حول القضايا الاجتماعية والسياسية التي يطرحها العمل، موضحًا أن القيمة الحقيقية للفيلم تكمن في قدرته على جعل الجمهور يضحك ويتأمل في آن واحد، وهو ما اعتبره مكافأة حقيقية لكل الجهود المبذولة.
ووصف المخرج المغربي انتقاله من التمثيل إلى الإخراج بالمغامرة الضرورية، مشددًا على أن الجرأة شرط أساسي للإبداع، وأن الجمع بين التجربة أمام الكاميرا وخلفها يمنح الفنان رؤية أشمل لعالم السينما. كما كشف عن كواليس انضمام إلياس المالكي إلى الفيلم، مؤكدًا أن الصراحة في تقديم المشروع كانت العامل الحاسم لكسب ثقته. وختم عمر لطفي حديثه بالتأكيد على أن “البوز” المصطنع لا يخدم السينما، وأن الرهان الحقيقي يبقى في إعادة الجمهور إلى القاعات السينمائية عبر أعمال صادقة ذات جودة، مشددًا على أن مستقبل السينما المغربية يمر عبر بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتوزيع، لأن السينما ليست ترفًا، لأنها أداة تعبير جماعي قادرة على المنافسة عالميًا مع الحفاظ على خصوصيتها المحلية
المصدر: الناقد الجديد





Leave a Reply