تستسلم الخريطة الثقافية المغربية مع إطلالة كل شهر فضيل إلى سطوة الشاشة الصغيرة التي تبتلع الفضاء العام والخاص، محولة المشاهد من متلق وباحث عن الجمال إلى مستهلك لمنتجات بصرية سريعة التحضير تنتهي صلاحيتها بآذان العيد. وبقدر ما ينتعش الإنتاج التلفزيوني بجرعات دعم سخية، ترفع القاعات السينمائية راية الصوم القسري، معلنة عن قطيعة غير مبررة بين جمهور السينما ودور العرض، في وقت كان من المفترض أن يكون فيه رمضان موسم التراويح الجمالية والاحتفاء بالأفلام التي كلفت خزينة الدولة المليارات لتظل حبيسة العلب أو الرفوف المهملة، بانتظار مهرجان يتيم أو عرض استثنائي خارج سياق الزمن.
ويفتقد المشهد الثقافي المغربي في رمضان إلى الرؤية الاستراتيجية التي تجعل من السينما شريكاً في صناعة الوعي، عوض تركها خارج حسابات البرمجة السنوي، فبينما تتسابق القنوات التلفزيونية على شراء الرداءة المقنعة بالضحك، تظل دور العرض خاوية على عروشها، وكأن الفن السابع عدو للروحانية أو نقيض للطقس الرمضاني. وهذا الغياب هو نتيجة لأزمة توزيع وتفكير مؤسساتي يرى في السينما ترفاً موسمياً وليس ضرورة ثقافية. فكيف يمكننا إقناع الجمهور بالعودة إلى الصالات في ظل هذا الإقصاء الممنهج الذي يمارسه الموزعون والمنتجون إن كانوا موجودين أصلا؟
ويهجر الجمهور المغربي طقس المشاهدة الجماعية في الظلام المهيب لصالح إقامة قسرية أمام تسطيح الدراما التلفزيونية التي تفتقر في أغلبها لأدنى معايير الجودة الفنية أو العمق الدرامي. وهذا الهجران ليس نتاجاً لرغبة جماهيرية بقدر ما هو نتيجة لغياب العرض السينمائي الجذاب الذي يحترم ذكاء الصائم وتطلعاته المعرفية والجمالية بعد يوم من الصيام. فالموزعون السينمائيون يتبنون سياسة الخوف من منافسة التلفاز، عوضا عن اجتراح بدائل ترويجية تجعل من السهرة السينمائية طقساً مكملاً لليالي رمضان. وهذا الفراغ الذي يتركه غياب السينما يملؤه ضجيج السكيتشات الباردة التي تكرس التفاهة وتغيب العقل والمنطق.
🔥 أفضل المنتجات المخفّضة حالياً

كارديغان نسائي مخطط محبوك لفصلي الربيع والخريف، تصميم أنيق وعصري بأكمام طويلة، مناسب للإطلالات اليومية والكاجوال.
السعر الآن: 216.67 درهم مغربي
السعر الأصلي: 322.28 درهم
خصم 33%
وتعاني السياسة السينمائية في المغرب من انفصام حاد بين منطق الإنتاج ومنطق التوزيع، حينما تُضخ أموال طائلة في صناعة أفلام تظل منبوذة في شهر الذروة المشاهداتية، مكان استغلال التواجد المكثف للعائلات في الشوارع بعد الإفطار، فتغلق القاعات أبوابها أو تعرض أفلاماً أجنبية باهتة لا تمت لواقعنا المعاش بأي صلة تذكر. وهذا التعثر في تسويق الفيلم المغربي رمضانياً يكشف عن غياب لوبي سينمائي قوي قادر على فرض كلمته في مواجهة سطوة المعلنين التلفزيونيين. ويعني الاستمرار في هذا النهج إهداراً للفرص الثقافية وتكريساً لثقافة الاستهلاك السطحي التي تقتل الذوق الفني الرفيع في مهده.
ويصطدم المتتبع السينفيلي بواقع مرير عندما يحاول رصد الأثر السينمائي في رمضان، فلا يجد سوى شظايا من أعمال قديمة تُعاد على الشاشات كنوع من سد الفراغ البصري. ويبرز هذا الغياب أفلام العرض الأول في رمضان عقلية استسلامية لدى المنتجين المغاربة الذين يفضلون انتظار المهرجانات الدولية لنيل الاعتراف، متجاهلين جمهورهم المحلي العريض. وهذا التعالي على العرض الرمضاني يجعل السينما المغربية في معزل عن نبض الشارع، ويحولها إلى فن نخبوي لا يراه أحد إلا في المناسبات الرسمية، بينما استعادة هيبة السينما تبدأ من كسر هذا الطوق الرمضاني واقتحام سوق المشاهدة بجرأة فنية وقدرة على التميز.
وتفتقر المؤسسات الوصية على القطاع السينمائي لخطط طوارئ جمالية تعيد الاعتبار للقاعات السينمائية التي تحتضر بصمت في المدن الكبرى والمتوسطة خلال هذا الشهر. فعوض تقديم دعم استثنائي للعروض السينمائية الرمضانية، تكتفي هذه المؤسسات بدور المتفرج على نزيف القاعات الذي يزداد حدة وتأثيراً في هذه الفترة، بينما يتطلب تحويل السينما إلى فعل نضالي تظافر الجهود بين المركز السينمائي المغربي والموزعين لخلق موسم سينمائي رمضاني بامتياز وحضور، وهذا الموسم يمكن أن يكون منصة لعرض الأفلام الوثائقية أو التاريخية التي تتناسب مع جلال الشهر، وتمنح المشاهد بديلاً راقياً عن ثقافة الابتذال.
🔥 أفضل المنتجات المخفّضة حالياً

جاكيت واقٍ من الشمس للرجال، خفيف وقابل للتنفس، مقاوم للماء، مثالي للرياضة والأنشطة الخارجية والصيد، مع حماية من الأشعة فوق البنفسجية.
السعر الآن: 134.72 درهم مغربي
السعر الأصلي: 238.35 درهم
خصم 43%
ويكرس غياب الفيلم السينمائي المغربي في رمضان حالة من الأمية البصرية لدى جيل جديد بات يربط الفن فقط بما تعرضه الشاشات الصغيرة من تسطيح. فالسينما، بجمالياتها العميقة ولغتها البصرية المعقدة، هي الوحيدة القادرة على مواجهة تغول الدراما الرمضانية التي أصبحت تعتمد حصراً على البوز الفارغ من القيمة، بينما نحن في حاجة ماسة لثورة في مفاهيم البرمجة السينمائية، تخرج القاعات من صيامها وتجعل من الذهاب للسينما طقساً اجتماعياً يضاهي الجلوس في المقاهي الشعبية، لكن هذا الصمت الذي يلف القاعات في رمضان هو صمت الفشل في تسويق الجمال، وهو فشل نتحمل مسؤوليته جميعاً كفاعلين ونقاد.
وتؤكد الأرقام الهزيلة لمرتادي السينما في المغرب أن المشكلة ليست في الجمهور، وإنما في الخدمة الثقافية المقدمة له، والتي تتسم بالارتجال والغياب الكلي. فلو وجدت العائلات المغربية عرضاً سينمائياً محترماً في بيئة آمنة ومنظمة بعد صلاة التراويح، لما ترددت لحظة في خوض هذه التجربة الفنية، لكن الموزعين يصرون على معاملة رمضان كشهر ميت تجارياً، وهي نظرة قاصرة تتجاهل القوة الشرائية والرغبة في الترفيه النوعي لدى فئات واسعة، بينما يساهم استمرار هذا الانقطاع السينمائي الرمضاني في اضمحلال الثقافة السينمائية، ويجعل من السينما كذكرى بعيدة لزمن كانت فيه القاعات تنبض بالحياة طوال شهور السنة.
وتعتبرهذه المفارقة العجيبة التي تجعل من بلد يفتخر بإنتاجه السينمائي الغزير، عاجزاً عن تقديم فيلم واحد لمواطنيه في أهم شهر للمتابعة السنوية فشل استراتيجي وفكري، لأنها حالة من الانحباس الفني تفرضها حسابات ضيقة لا ترى في السينما إلا وسيلة للحصول على الدعم وليس كصناعة حقيقية تخاطب الوجدان. فالمخرجون يكتفون بجوائز المهرجانات، والمنتجون يضمنون أرباحهم من الدعم العمومي المسبق، والضحية هو المشاهد الذي يُترك فريسة لدراما تلفزيونية مكررة ومملة، بينما يبدأ التغيير الحقيقي من شعور الصانع السينمائي بمسؤوليته تجاه جمهوره المحلي، وبضرورة التواجد في الساحة حتى في أصعب الظروف والرهانات الموسمية.
ويرصد الجمهور المتابع كيف تحولت السينما العالمية إلى صناعة مواسم، بينما لا تزال السينما المغربية تعيش على فتات اللحظات العابرة والصدف غير المدروسة إطلاقاً، فبينما تستغل السينمات العالمية فترات العطل والأعياد والمواسم الدينية لطرح أقوى إنتاجاتها، نجدنا في المغرب ننكمش ونتراجع تاركين الساحة لمنتجات بصرية باهتة، والحقيقية أن هيبة السينما لا تتحقق إلا بالتواجد المستمر في وعي المشاهد، وبالقدرة على خلق الحدث الفني الذي يجبر الناس على مغادرة بيوتهم. إننا اليوم بحاجة لإرادة سياسية وثقافية تعيد للسينما مكانتها الطبيعية كقائدة للمشهد الجمالي، لا كملحقة ثانوية لبرمجة تلفزيونية تتسم بالبؤس الفكري.
ويستوجب هذا الواقع المرير وقفة تأمل جدية من كل الفاعلين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الفن السابع قبل أن يتحول إلى فولكلور من الماضي، لأن كسر صيام القاعات في رمضان هو المدخل الأساسي لاستعادة الثقة المفقودة بين السينما وجمهورها، وهو الرهان الحقيقي لكل ناقد يسعى للتغيير. فلن يرحم التاريخ من فرطوا في الذوق العام وتركوا المشاهد نهباً للتفاهة، ولن تقوم للسينما قائمة ما لم تكن حاضرة في قلب الحركية الرمضانية، فإنها دعوة صريحة للمصالحة مع القاعة، ومع الفيلم ومع الذات التي تطلعت لسينما مغربية تليق بذكاء المغاربة وقوة تاريخهم الفني.
وتكتسح المنصات الرقمية العابرة للحدود الفراغ المهول الذي خلفه غياب الفيلم المغربي عن دور العرض، لتتحول إلى سينما بديلة تفرض منطقها على المشاهد الصائم. فبينما تغلق قاعاتنا أبوابها، تفتح منصات مثل نتفليكس وشاهد آفاقاً بصرية عالمية وعربية تجذب المشاهد المغربي بعيداً عن نمطية التلفزيون المحلي المتردية، ويبقى لجوء المغاربة لهذه الوسائط هو رحلة بحث واعية عن الجودة المفقودة في الإنتاج الوطني الموجه لرمضان. وهكذا تصبح المنصات هي المتنفس الوحيد الذي يحترم عين المشاهد، ويقدم له تجربة سينمائية منزلية تعوضه عن جفاء الصالات المحلية.
وتؤكد هذه الهجرة الجماعية نحو المنصات العالمية أن المشاهد المغربي لا يعاني من خصام مع السينما، لانه حقيقية يعاني من فقر في العرض الوطني المتاحن بينما يضع نجاح الأفلام العربية والأجنبية في تصدر قوائم المشاهدة داخل المغرب خلال رمضان، صناع القرار السينمائي أمام سؤال السيادة الثقافية المفقودة بوضوح. وكيف نترك وعي المواطن نهباً لثقافات وافدة بينما تظل أفلامنا المغربية حبيسة الرفوف المظلمة أو تنتظر دورة مهرجان بعيد المنال؟ في حين قدمت المنصات الدرس القاسي للموزعين: الجمهور موجود والشهية مفتوحة، لكن التقصير يكمن في عقلية التوزيع التقليدية التي لم تستوعب بعد مفاهيم الرقمنة.
ولكن لماذا ينقطع نفس صناع الأفلام السينمائية المغربية في رمضان؟
المصدر: الناقد الجديد

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.
يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .











Leave a Reply