البيروقراطية تخسف رقي المشاعر وتنتصر لإبليس في “الست موناليزا”

يشكل مسلسل “الست موناليزا” في العرض الرمضاني الحالي مختبراً لتفكيك العلاقات الإنسانية في أكثر صورها تعقيداً وتشابكاً مع واقع اجتماعي مأزوم، إّذ تبرز في العمل تساؤلات حارقة حول ماهية التضحية والحدود الفاصلة بين الحب والاستلاب التام للإرادة البشرية في ظل التغيرات القيمية الراهنة. ويرصد المخرج محمد علي ملامح الخداع الذي يبدأ بوعود وردية وينتهي بسقوط مدوٍ في قاع الارتهان للنمط السلوكي السام، كوثيقة فنية توثق آليات التلاعب العاطفي والمادي في بيئات تقتات على أحلام البسطاء الواهمين بالخلاص السريع من أوجاعهم، بينما يستند المسار السردي إلى تعرية الواقع وكشف زيف الوعود التي تُبنى على رمال متحركة لا استقرار فيها ولا أمان. فتتجاوز الدراما الترفيه لتخاطب جوهر الصراع الوجودي للمرأة في مواجهة قوى الاستغلال المنظم والممنهج اجتماعياً. ويخلق العمل حالة من الجدل تستدعي وقفة فاحصة تتجاوز المتابعة العابرة لتفاصيل الحكاية اليومية المعتادة والمكررة.

يعري العمل الوجه القبيح للعلاقات الأسرية حين تتحول إلى غابة من المصالح المتبادلة التي لا تعترف بالصلات الأخلاقية أو الإنسانية، إذ تبرز شخصية “سميحة” وعائلتها كنموذج للتربص الجماعي، حينما يشارك الجميع في عملية النهب المنظم لكرامة وممتلكات الشخصية الرئيسية المكلومة والمستضعفة، فيطرح المسلسل تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الفرد على الصمود أمام بيئة معادية بالكامل تسعى لتجريده من إنسانيته بشكل ممنهج وقاسٍ، بينما تبرز الحارة الشعبية في هذا السياق ليس كحضن دافئ، وإنما كساحة لتصفية الحسابات والتحايل على القانون من أجل البقاء المادي، ويقدم هذا التناول رؤية سوداوية للعلاقات الاجتماعية، حين يسود الغدر وتغيب قيم المروءة والشهامة التي طالما تغنت بها الدراما الكلاسيكية، ويكشف القناع عن توظيف الفقر كذريعة للسقوط الأخلاقي، وهو تناول يحتاج لمراجعة دقيقة في سياق الدراما الواقعية والهادفة اجتماعياً. ويظل الفن مطالباً بالبحث عن بقع الضوء حتى في أحلك الظروف الاجتماعية والمادية صعوبة وتعقيداً وتشابكاً في الواقع المعاش.

ويفتتح السيناريو أحداثه بالوقوف عند الانتقالة الزمنية والمكانية الحادة التي تجسد صدمة الواقع في مواجهة اليوتوبيا المتخيلة في ذهن البطلة المخدوعة، إذ يواكب المؤلف محمد سيد بشير رحلة شخصية “موناليزا” التي تنتقل من سكون الإسماعيلية إلى جحيم القاهرة المنظم عبر فخ الزواج الصوري، فيستخدم تقنية “الفلاش باك” لتفكيك خيوط الجريمة العاطفية التي تعرضت لها امرأة قررت المراهنة على ماضٍ ولى وانقضى أثره تماماً، ويظهر تدرج درامي يبدأ بالانبهار الكاذب وينتهي باكتشاف قسوة العيش في قصر تحول إلى بيت شعبي ضيق الخناق والروح، بينما يتجلى في هذا المسار السردي عملية سحق ممنهجة للشخصية وتجريدها من ممتلكاتها وأحلامها تحت وطأة الأكاذيب التي يمارسها الطرف الآخر، فيكشف تتبع الأحداث كيف يتحول الحلم إلى كابوس يطبق على أنفاس الضحية ويجردها من كل وسائل الدفاع الممكنة والمتاحة.

ويعبر الأداء التمثيلي لأحمد مجدي في شخصية “حسن” بطريقة تشريحية براعة “المتلاعب” في إدارة الأزمات المفتعلة لامتصاص قدرات الطرف الأضعف عاطفياً، كنموذج لرجل يستغل نقاط ضعف المقربين منه ليحولهم إلى أدوات في مشروعه الأناني القائم على الجشع المادي، بينما يظهر “حسن” في كل حلقة بوجه جديد، تارة كضحية للظروف وتارة كمنقذ، في حين يظل المحرك الأساسي لكل النكبات المتتالية، ويرتبط هذا الدور بسيكولوجية الشخصية التي لا تكتفي بالسرقة المادية، لأنها تسعى لكسر الكبرياء النفسي والروحي لكل من يحيط بها، فيبين العمل كيف ينمو هذا النوع من النماذج في بيئات تفتقر للمساءلة الأخلاقية وتعتمد الخداع وسيلة وحيدة للترقي المادي، فيتأصل هذا الدور درامياً باعتباره المحور الذي يقود الأحداث نحو التأزم والانهيار الأخلاقي التام في محيط الشخصية الرئيسية للعمل.

📚 ترشيح القراء: أساسيات سيكولوجية التداول

مجموعة مارك دوغلاس: Trading in The Zone & The Disciplined Trader

الفرق بين المتداول الناجح والخاسر ليس في الاستراتيجية، بل في العقلية. تعتبر هذه المجموعة “الإنجيل” الخاص بالتداول؛ حيث تساعدك على الانضباط والتحكم في الخوف والطمع لتحقيق عوائد مستدامة.

264.92 MAD 230.23 MAD
خصم لفترة محدودة (13% OFF)
🛒 احصل على المجموعة الكاملة وابدأ رحلة الانضباط

✅ النسخة الأصلية باللغة الإنجليزية (Paperback)

ويبرز دور مي عمر في شخصية “موناليزا” حالة من الاستسلام المفرط الذي يتجاوز حدود السذاجة ليصل إلى مرحلة القبول التام بالألم العاطفي، فتظهر محاولات التعبير عن الانكسار عبر لغة الجسد المكبوتة والنظرات الشاردة، بعيداً عن نمط الشخصيات النسائية القوية المعتاد تقديمها سابقاً، فيوضع المشاهد أمام حيرة حقيقية بين التعاطف مع البطلة وبين التساؤل حول مبررات صمتها الطويل أمام سلسلة التجاوزات المادية والمعنوية، فنشاهد الشخصية في كثير من المشاهد مسلوبة الإرادة، فتتقبل الإهانات والسرقات المتتالية كأنها قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه أو الهروب، فيعكس هذا الخيار الفني رغبة في تقديم بطلة تراجيدية، لكنه يسقط أحياناً في فخ الهشاشة التي تضعف منطق الفعل والرد الدرامي، بينما يصنف الأداء كمحاولة لتجسيد الوجع المكتوم، رغم التحفظ النقدي على غياب التطور في شخصية تواجه غدراً متواصلاً وممنهجاً، فتظل البطلة سجينة رد الفعل السلبي، كعنصر محرك للصراع الدرامي الحقيقي والمؤثر في الأحداث.

وتعاني بعض المشاهد  ثغرات منطقية كبيرة شابت البناء الدرامي، خاصة فيما يتعلق بتعاطي الأهل مع أزمة ابنتهم الكبرى والوحيدة، إذ يغيب المنطق الاجتماعي الواقعي في المسلسل حين يترك الأهل ابنتهم تواجه مصيراً مجهولاً دون أدنى تواصل أو زيارة منزلية للاطمئنان عليها، فتبرز السقطات القانونية في مسألة تقاضي معاش الوالد والحصول على قروض بضمانات وهمية في تجاوز صارخ للواقع الإداري المعروف، ويضعف هذا التراخي في التفاصيل من صدقية العمل كقصة مستوحاة من أحداث حقيقية، ويحولها إلى فانتازيا اجتماعية بعيدة عن الواقع، كما تتشكل فجوة واسعة بين ما يقدمه المسلسل من واقعية مفترضة وبين مقتضيات العقل والمنطق والحياة اليومية الرتيبة للمشاهدين، كما يضحي العمل بالواقعية في أحيان كثيرة لصالح الإثارة،  وذا يفقد الحبكة تماسكها الضروري لإقناع المتلقي الواعي بتفاصيل محيطه الاجتماعي والقانوني.

وتغرق متتاليات المشاهد في الميلودراما واستخدام الحوارات المباشرة والطويلة التي تهدف إلى استدرار عاطفة الجمهور بشكل فج ومصطنع أحياناً، بينما تفتقر الخطوط الثانوية في المسلسل للعمق الكافي، حينما نشاهد الشخصيات المساعدة كأنها نماذج جاهزة لخدمة غرض سردي محدد دون أبعاد إنسانية، فيسيطر النحيب والندم على مساحات واسعة من الحلقات، وهذا يسبب نوعاً من الرتابة في الإيقاع العام للعمل الدرامي المجهد للمشاهد، كما ينبه السياق لغياب التطور النفسي التدريجي للبطلة، فعوض ردود الفعل القوية، يظهر انغماس سلبي في دور الضحية التي لا تتعلم.

موضة 2026: لمسة أنوثة عصرية ✨

جاكيت MUJER Ruched: الأناقة “الأوفرسايز” التي تمنحكِ الثقة

خصم 57%

في عالم تبحث فيه المرأة عن التوازن، يأتي هذا الجاكيت بتصميم Oversized ليجمع بين الراحة المطلقة والمظهر القوي. تفاصيل الـ Ruched (الكشكشة) تضفي لمسة فنية تعبر عن شخصية متجددة وواثقة، مثالي للانتقال بين الفصول بكل أناقة.

738.00 MAD 319.55 MAD

استثمار ذكي في خزانتكِ يوفر لكِ 418 درهم

🛒 تسوقي الآن وأضيفيه لمجموعتكِ

✅ متوفر بعدة ألوان | شحن آمن وسريع

ويعتمد الإخراج على لقطات قريبة ومكثفة للوجوه لإظهار الألم، لكنها تظل قاصرة عن تعويض غياب الصراع الدرامي الحقيقي والمؤثر فنياً،إذ تستوجب الدراما احترام ذكاء المتلقي والابتعاد عن المونولوجات الدرامية التي تجاوزها الزمن في مدارس التمثيل والتعبير الحديثة والمعاصرة عالمياًن فيظل الصمت في الدراما أحياناً أبلغ من صفحات الحوار الطويلة التي تفقد الموقف حدته وتشتت تركيز المشاهد عن المعنى الجوهري.

ويعتبر مسلسل “الست موناليزا” كنسخة أقل تماسكاً من الناحية الفنية مقارنة بأعمال حاكت نفس الثيمات بقوة في الحوار ورصانة في البناء، لكن يظل الرهان على اسم البطلة وشعبيتها المحرك الأساسي لنسب المشاهدة العالية التي حققها المسلسل على المنصات الرقمية ووسائل التواصل، فتظن “موناليزا” أن زواجها سيكون بوابةً إلى الجنة لكن أحلامها تتبدد سريعًا في القاهرة، حين تجد نفسها عالقة في علاقة تحكمها المصالح وزوجٍ يسعى لمكاسبه الخاصة وعائلةٍ تتربص بها كأنها غنيمة في زواجٍ مُقيّد بشروط خفية، ومن بين رماد تجربة قاسية تبدأ رحلة امرأة تحاول النهوض من جديد، مواجهةً نظرة المجتمع وألم الانفصال وساعيةً لاستعادة ذاتها وبناء حياة تستحقها وبين الخسارات والأمل، يبقى السؤال: هل يزهر الحب في قلبها مرة أخرى، أم يكون ثمن الحرية أفدح مما توقعت؟

المسلسل من إخراج محمد علي، وتأليف محمد سيد بشير، وبطولة مي عمر، أحمد مجدي، وفاء عامر، شيماء سيف، جوري بكر، وسما إبراهيم.

المصدر: الناقد الجديد

إعلان الاستثمار

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.

يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings