يفتح المسلسل المغربي “عش الطمع” للمخرج أيوب الهنود نافذة نادرة على ظاهرة الاتجار بالرضع داخل السياق المغربي المعاصر، إذ يختار الموضوع أن يضع الجريمة كانحراف اجتماعي وكنتيجة متراكمة للفقر الشديد وتآكل القيم الأخلاقية خطوة خطوة، بينما يطرح العمل منذ الحلقات الأولى إشكالية مركزية: هل يمكن للدراما التلفزيونية أن تحول قضية اجتماعية ثقيلة كهذه إلى تجربة فنية متكاملة، أم أنها تحت ضغط الإيقاع الرمضاني وتكتفي باستثمار الصدمة العاطفية والأخلاقية لضمان بقاء المتابعة اليومية؟
المسلسل من بطولة كل من مريم الزعيمي، أمين الناجي، السعدية لديب، السعدية أزكون، مونية لمكيمل، فاطمة الزهراء الجوهري، وآخرون.
يبني السيناريو صراعاً مزدوجاً يجمع بين حركة خارجية واضحة وحركة داخلية أكثر تعقيداً، إذ تتمثل الحركة الخارجية في بحث “مريا” عن طفلها المفقود ومواجهتها لشبكة الاتجار المنظمة، أما الحركة الداخلية فتتركز على مسار شامة التي تنتقل تدريجياً من موقع الضحية أو المحتاجة إلى موقع المتورطة النشطة ثم المنظمة، حينها يعتمد السرد على استراتيجية الكشف المتأخر والعودة الزمنية القصيرة في ختام معظم الحلقات، وتُستخدم هذه الآلية وهي شائعة جداً في الدراما الرمضانية لخلق تعليق يومي يدفع المشاهد للعودة في اليوم التالي، لكن التكرار المفرط لهذا النمط يُضعف العقدة التراكمية على المدى المتوسط والطويل، فتتحول بعض الحلقات إلى جسور انتقالية تهيئ للكشف القادم عوض أن تمتلك قيمة درامية مستقلة وقوية بذاتها.
ويبرز الحوار في كثير من مشاهده ارتجالياً بشكل واضح وغير متناسق داخلياً، إذ تظهر الازدواجية بين الجمل المكتوبة بعناية والحوارات التي تبدو عفوية زيادة عن اللزوم، فيتجلى ذلك في الثنائية المتكررة بين الفعل ورد الفعل: شخصية تطلق عبارة قوية أو اتهاماً مباشراً فيرد الآخر برد فعل فوري يعيد صياغة نفس الفكرة بكلمات مختلفة قليلاً، وهنا ينتج عن هذا النمط شعور بأن الحوار يدور حول نفسه دون تقدم حقيقي في الصراع أو الكشف عن طبقات جديدة، فيصبح الارتجال ظاهراً في تغيرات النبرة المفاجئة أو التكرار غير المبرر لعبارات معينة، وهذا يُضعف الإحساس بالكتابة المدروسة ويجعل بعض المشاهد تبدو أقرب إلى تمارين تمثيلية منها إلى لحظات درامية محكمة.
ويُعد الإيقاع السردي أحد أبرز نقاط الضعف في التجربة، كما يسير العمل ببطء يتجاوز أحياناً الحدود التي يمكن تبريرها درامياً، ويتراكم عدد كبير من مشاهد الصدام العاطفي والمواجهات اللفظية الحادة دون أن يترك المخرج فواصل زمنية أو نفسية كافية تسمح للمشاهد باستيعاب التحولات أو استعادة التوازن العاطفي، وينتج عن هذا التراكم شعور بالإرهاق التدريجي: تفقد المشاهد الصادمة تأثيرها الأولي وتتحول إلى روتين متكرر يُشعر المتابع بأن العمل يدور في حلقة مفرغة من الصراخ والدموع واللوم المتبادل.
وتقف “مريا ” بأداء مريم الزعيمي كتجسيد للألم الأمومي الخام واليأس المستمر، قد ينجح الأداء في نقل المعاناة الجسدية والنفسية للأم التي فقدت طفلها، لكن هذا النجاح يظل محصوراً في نطاق ردود الفعل العاطفية المباشرة والمكررة، وتفتقر الشخصية إلى طبقة أعمق من التناقض الداخلي أو التطور النفسي المركب الذي يتجاوز دور الضحية النقية. ويبقى الأداء قوياً في التعبير عن الوجع لكنه لا يصل إلى مستوى التعقيد الذي يستحقه محور سردي بهذا الحجم.
ويبتعد الأسلوب الإخراجي بشكل عن نمط الواقعية الباردة والاقتصادية الذي ميز أعمالاً عالمية تناولت مواضيع مشابهة، إذ يعتمد العمل على إضاءة تقليدية في غالبية المشاهد، وزوايا كاميرا مألوفة جداً، وموسيقى تصويرية عاطفية باهتة مكثفة ذروة، ويجعل هذا الخيار التجربة أكثر قرباً من الجمهور العريض وأكثر انسجاماً مع عادات المشاهدة الرمضاني، لكنه يحد في الوقت ذاته من فرص التميز الجمالي ويبقي العمل ضمن دائرة المألوف في الإنتاج التلفزيوني الموسمي، بينما وتُفاقم الموسيقى التصويرية من حدة هذه المشكلة، كونها تعتمد على نمط وتري درامي مكثف ونغمات حزينة مرتفعة الحدة تتدخل في كل لحظة توتر أو انفعال، كما تفقد الموسيقى قدرتها على خلق تباين حقيقي بين اللحظات الهادئة والذروات العاطفية.
ويترك “عش الطمع” سؤالاً جوهرياً معلقاً حتى نهاية العرض: هل ينجح في إضافة شيء نوعي جديد إلى مسار الدراما المغربية المعاصرة، أم أنه رغم جرأة الموضوع يعيد صياغة صيغ سردية مألوفة الضحية التي تنقلب إلى جانٍ، البحث عن المفقود، التشويق اليومي المكثف مغلفة بقضية صادمة؟ في حين أن الإجابة الكاملة تتوقف على مدى قدرة النهاية على تحقيق توازن بين الجرأة الموضوعية والإتقان الفني الذي يتجاوز حدود الإثارة الموسمية، وحتى ذلك الحين يبقى العمل تجربة مثيرة للجدل، تحمل في طياتها وعداً بدراما أكثر نضجاً وفي الوقت ذاته تكشف بلا مواربة عن حدود الإنتاج الرمضاني المغربي في مرحلته الراهنة.
المصدر: الناقد الجديد

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.
يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .











Leave a Reply