تكشف الإحصائيات التي تُنشر كل موسم رمضاني حول نسب مشاهدة القنوات التلفزية المغربية عن مفارقة واضحة بين الأرقام المرتفعة ومستوى الجودة الفنية للأعمال المعروضة. وغالبًا ما تُقدَّم هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على نجاح الدراما المحلية، بينما في الحقيقة لا تعبر نسب المشاهدة بالضرورة عن قيمة فنية حقيقية، بقدر ما هي سلوكًا استهلاكيًا موسميًا مرتبطًا بطبيعة شهر رمضان.
تشير المعطيات الصادرة عن مركز قياس نسب المشاهدة إلى أن متوسط متابعة التلفزيون لدى المغاربة خلال رمضان يصل إلى 4 ساعات و55 دقيقة يوميًا للفئة العمرية خمس سنوات فما فوق. ويعني ذلك أن المشاهدة ترتفع بشكل تلقائي بسبب خصوصية الشهر الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة حول الشاشة بعد الإفطار. وبالتالي فإن ارتفاع الأرقام لا يعني بالضرورة أن البرامج المعروضة تتمتع بمستوى فني عالٍ، وإنما هو انعكاس لعادات اجتماعية مرتبطة بالزمن الرمضاني.
وتبين الأرقام أن المنافسة بين القنوات الوطنية تتركز أساسًا في وقت الذروة، إذ بلغت حصة القناة الثانية 39.6 في المائة مقابل 24 في المائة للقناة الأولى بين السادسة والربع مساءً والتاسعة ليلاً. لكن هذه النسب لا يمكن اعتبارها تعبيرًا عن تفوق فني، لماذا؟ لأنها بكل بساطة تعكس محدودية الخيارات التلفزيونية المتاحة للمشاهد داخل القنوات الوطنية، وهو الأمر الذي يجعل نسبة مهمة من الجمهور تتابع ما يُعرض لغياب بدائل متنوعة في الوقت نفسه.
وتكشف قائمة البرامج الأكثر مشاهدة عن أرقام تبدو ضخمة في ظاهرها، فقد تابع مسلسل “بنات لالة منانة 3” أكثر من 11 مليونًا و339 ألف مشاهد بحصة مشاهدة بلغت 44.4 في المائة، بينما استقطبت سلسلة “يوميات محجوبة والتبارية” حوالي 9 ملايين و771 ألف مشاهد. وعلى القناة الأولى جذب برنامج “عش الطمع” نحو 8 ملايين و270 ألف مشاهد، فيما تابع مسلسل “شكون كان يقول” حوالي 8 ملايين و256 ألف مشاهد. لكن هذه الأرقام رغم ضخامتها، فهي لا تقدم أي مؤشر حقيقي على القيمة الجمالية أو الإبداعية لهذه الأعمال.
ويكشف التدقيق في بنية الإنتاج الدرامي الرمضاني عن ظاهرة لافتة تتمثل في تكرار الأسماء نفسها داخل عدد كبير من الأعمال؛ إذ يظهر الممثل نفسه في أكثر من عمل وتتكرر أسماء كتاب السيناريو والمنتجين وشركات الإنتاج، وحتى بعض الفرق التقنية، وهذا التكرار يحد من تنوع التجارب الفنية ويجعل المشهد الدرامي يبدو وكأنه دائرة مغلقة تعيد تدوير العناصر نفسها كل موسم، وهو ما يبرز على مستوى الابتكار في النصوص والأساليب الإخراجية.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا أساسيًا حول المعايير الحقيقية التي يجب اعتمادها في تقييم العمل الدرامي، فالنقد الفني يرتكز على مجموعة من المعايير العلمية والجمالية التي طورتها الدراسات الإعلامية والنقد الدرامي عبر عقود. ويُعد النص الدرامي العمود الفقري لأي عمل فني، ويُقاس من خلال قوة الحبكة وتماسك الأحداث وعمق الشخصيات وقدرة الكاتب على بناء صراع درامي مقنع ورسالة واضحة. لأن الأعمال الدرامية القوية عادة ما تقدم شخصيات متعددة الأبعاد وتطرح قضايا اجتماعية أو إنسانية بطريقة مركبة، وليس عبر شخصيات نمطية أو مواقف متكررة.
ويعتمد التقييم على الرؤية الإخراجية التي تمنح النص بعده البصري والجمالي، فالإخراج الجيد يشمل بناء الإيقاع الدرامي واختيار زوايا التصوير وإدارة الممثلين، وتوظيف الموسيقى والديكور والإضاءة لخدمة المعنى الفني للعمل. وفي كثير من التجارب الدرامية العالمية كان الإخراج هو العنصر الذي يمنح العمل هويته الخاصة ويجعله مختلفًا عن غيره، وليس المنتج أو الشركة المنتجة.
ويقيس النقد الدرامي كذلك مستوى الأداء التمثيلي، أي قدرة الممثلين على تجسيد الشخصيات بعمق نفسي وإقناع درامي. لماذا؟ لأن الممثل الجيد يخلق حياة داخل الشخصية ويجعل المشاهد يتفاعل معها. أما عندما تتكرر الوجوه نفسها في أعمال متعددة خلال الموسم نفسه، فإن ذلك يضعف التنوع ويجعل الأداء أقرب إلى التكرار أو النمطية.
توصيات المنتجات الأكثر مبيعاً!

حقيبة كتف رجالية عصرية (Oxford) – تصميم كاجوال صغير
خصم 85%
موقع الصحف – عروض حصرية
ويتطلب تقييم العمل الدرامي أيضًا النظر إلى القيمة الثقافية والاجتماعية التي يقدمها، فالأعمال الدرامية الكبرى في التاريخ لم تحقق تأثيرها بسبب نسب المشاهدة فقط، لأنها طرحت أسئلة اجتماعية عميقة أو قدمت صورة فنية مختلفة عن المجتمع. لذلك فإن العمل الدرامي الحقيقي هو الذي يترك أثرًا في النقاش الثقافي ويظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور بعد انتهاء عرضه.
ويثبت هذا كله أن نسب المشاهدة رغم أهميتها في فهم سلوك الجمهور، فهي تظل مؤشرًا جزئيًا لا يمكن أن يكون معيارًا وحيدًا للحكم على جودة الدراما. لماذا؟ لأن بكل بساطة الأرقام قد ترتفع بسهولة بسبب عوامل اجتماعية أو تسويقية، بينما يبقى الإبداع الحقيقي مرتبطًا بالجرأة الفنية والتجديد في الكتابة والإخراج والتمثيل.
وتطرح هذه المعطيات بدورها أسئلة أعمق تتجاوز الأرقام ونسب المشاهدة، لتخاطب جوهر الرسالة الثقافية للدراما الرمضانية نفسها: فما الرسالة التي تقدمها هذه الأعمال للمجتمع؟ وما التوجه الفكري والثقافي الذي تحمله؟ وهل تنسجم مضامينها مع خصوصية شهر رمضان باعتباره زمنًا روحيًا وثقافيًا مميزًا في الوعي الجماعي؟ لأن وجود هذا الكم الكبير من الأعمال الدرامية والترفيهية في شهر كريم يفرض التساؤل عن الغاية الحقيقية منها:
هل الهدف هو ملء الشبكات البرامجية وجذب الإعلانات ونسب المشاهدة، أم أن هناك سعيًا لتقديم محتوى يعبر عن قيم اجتماعية وثقافية ويطرح قضايا المجتمع ومسؤولية؟ فالأعمال الدرامية، بحكم تأثيرها الواسع، يمكن أن تكون أداة لبناء الوعي الجماعي وتعزيز القيم الثقافية، وهو ما يجعل النقاش حول مضمونها واتجاهاتها الفكرية أمرًا ضروريًا، خصوصًا حين تتحول إلى حضور يومي مكثف في واحد من أكثر الشهور رمزية في الحياة الاجتماعية للمغاربة.
المصدر: الناقد الجديد

لمن يرغب في الشراكة والاستثمار في الدعاية والإشهار عبر منصة الناقد الجديد المتخصصة في السينما والفنون والثقافة.
يمكنكم الاطلاع على تفاصيل الفرص عبر صفحة الرعاية والشركاء .












Leave a Reply