أصبحت خدع الطلاق الإعلامية التي يمارسها بعض نجوم السينما والتلفزيون العرب أكثر من مجرد حملات ترويجية رخيصة، إنها أداة تضليل جماهيري واسعة أججت الرأي العام ضد الزواج التقليدي وساهمت في انتشار موجة نسوية مشوهة ترى في الأسرة قيداً وفي الاستقلال المادي قوة مطلقة. هذه السلوكيات المتكررة التي تُروج للانفصال كخيار سهل ومربح أدت إلى تطبيع فكرة أن تكوين أسرة عبء، بينما الشهرة والدخل من تيك توك وإنستغرام أولوية عليا. ونتيجة لذلك تراجعت قيمة العلاقات الإنسانية وأصبحت الأجيال الجديدة تواجه شبح الشيخوخة المبكرة مع انهيار النمو الديموغرافي الذي كان يميز العالم العربي تاريخياً. حينها لم يعد متوسط الإنجاب يتجاوز طفلاً أو طفلة في كثير من الدول.
ويثير إعلان الطلاق المفتعل من قبل مشاهير الفن والإعلام غضباً جماهيرياً واسعاً يتحول سريعاً إلى نقاش عام حول ظلم المرأة في الزواج كي يُشعل حملات نسوية تُصور الزوج كمُسيطر والأسرة كسجن وتُروج لفكرة أن الطلاق تحرر وليس أزمة اخلاقية. وهذه الإثارة تُكسب النجم تعاطفاً مؤقتاً ومشاهدات هائلة لكنها تُزرع في عقول الشباب صورة سلبية عن الارتباط الزوجي. ومع انتشار الخطاب النسوي المبالغ فيه عبر المنصات يعتقد الكثيرون أن القوة تكمن في الاستقلال المالي لا في بناء أسرة مستقرة، وهنا يفقد الزواج جاذبيته لدى الجيل الجديد الذي يرى فيه مخاطر أكثر من فوائد.
ويشحن هذا السلوك الإعلامي فكرة أن النجاح الشخصي يأتي من الظهور الرقمي والدخل السريع فيُفضل الشباب التركيز على محتوى تيك توك وإنستغرام عوضا عن تكوين أسرة تتطلب تضحيات طويلة الأمد. فيصبح الدخل من الإعلانات واللايفات أكبر جاذبية من مسؤولية الأبوة أو الأمومة خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، فتتحول العلاقات الإنسانية إلى سلعة رخيصة تُقاس قيمتها باللايكات لا بالاستمرارية. ومن ذاق طعم المال السريع يرى الأسرة عبئاً يُعيق التقدم المادي فتنتشر هذه الثقافة بين المتابعين الشباب فيؤجلون الزواج أو يتجنبونه تماماً لأن الطلاق أو العزوف أصبح خياراً عصرياً يُروج له كدليل على القوة والحرية.
ويساهم انتشار هذه الخدع في سن قوانين نفقة مشددة وتسهيلات طلاق سريعة تحت ضغط الرأي العام الذي أُجج بالقصص الإعلامية، فيُصبح الزواج مخاطرة مالية كبيرة للرجال والنساء، فتتحول النفقة بعد الطلاق إلى مصدر دخل بديل جذاب فيُشجع على الانفصال مكان الحلول الأسرية الشرعية، ويرى الكثيرون أن القوة تكمن في الاستقلال القانوني والمالي عوض الاستقرار العائلي، فتتزايد حالات الطلاق الفعلية مع تطبيع الفكرة عبر الشاشات.
وتفضيل الدخل الرقمي على تكوين الأسرة يؤدي إلى تراجع حاد في معدلات الإنجاب، خاصة حينما يُصبح الطفل عبئاً يُعيق الشهرة والربح السريع، فيُفضل الشباب الاستثمار في أنفسهم مادياً عوضا عن بناء جيل جديد. وهنا تنخفض الخصوبة في دول كثيرة إلى أقل من مستوى الإحلال مع تركيز على الجودة عوض الكم، فتظهر إحصاءات حديثة انخفاضاً ملحوظاً في عدد المواليد بسبب هذه التحولات الثقافية والاقتصادية، بينما يصبح الإنجاب خياراً ثانوياً أمام الطموح الفردي بينما يتسارع الاتجاه مع انتشار نمط الحياة الفرداني المُروج إعلامياً.
ويفاقم هذا الواقع ظاهرة الشيخوخة السكانية السريعة حينما يزداد عدد كبار السن دون تعويض كافٍ من الشباب ليُهدد أنظمة التقاعد والرعاية الصحية في دول عربية كثيرة، إذ تبين تقارير الأمم المتحدة تراجعاً في معدلات الخصوبة إلى مستويات منخفضة في دول مثل تونس ومصر والإمارات وحتى المغرب، فيزداد العبء على الأجيال القليلة ويُصبح التحول تهديداً للتوازن الاقتصادي والاجتماعي طويل الأمد.
ويتضح أننا وصلنا إلى مرحلة حرجة حين أصبح متوسط الإنجاب في كثير من الدول العربية لا يتجاوز طفلاً أو اثنين لكل امرأة، وهذا يُنذر بانهيار ديموغرافي يُضعف القوة البشرية والاقتصادية مستقبلاً ويتراجع النمو السكاني تدريجياً مع استمرار هذه الاتجاهات، ثم تُصبح الشيخوخة عبئاً ثقيلاً على الدول التي كانت تعتمد على الشباب كمحرك للتنمية ويفقد المجتمع توازنه التاريخي بين الأجيال، فهل نستطيع استعادة قيمة الأسرة قبل فوات الأوان؟
المصدر: الناقد الجديد












Leave a Reply