عبدالرحيم الشافعي
يختلف تعريف النجاح في السينما اختلافاً جوهرياً حول طبيعة الفن ذاته وعلاقته بالمجتمع والاقتصاد والفكر. فعندما يتجاهل بعض صناع الأفلام النقد السينمائي ويعتبرونه عداءً شخصياً أو ترفاً فكرياً منفصلاً عن مصير العمل، فإنهم يرتكبون خطأً أساسياً في فهم كيفية عمل صناعة السينما كحقل معقد وديناميكي. وينطلق هذا السؤال من فرضية تؤكد أن رفض النقد الصريح والبناء ليس موقفاً قوياً إنما هو عرض للضعف المهني والفكري، وأن الفنان الحقيقي هو من يستطيع الاستماع للملاحظات وتطوير أدواته من خلال الحوار النقدي الدائم مع متخصصين ومع جمهوره.
ويتجاهل العديد من صناع الأفلام النقد السينمائي بوصفه عنصراً ثانوياً أو ترفاً فكرياً منعزلاً عن مسار العمل الفني والتجاري، غير أن تجارب النقد العالمي تؤكد النقيض تماماً. يتفق نقاد كبار مثل أندريه بازان وبيير باولو بازوليني على أن الفيلم يكتسب اكتماله الحقيقي إذا خضع للتلقي النقدي الذي يعيد بناءه داخل الوعي الثقافي والجمالي للمجتمع. ويشكل النقد فعل تأويلي معقد يكشف طبقات المعنى المتعددة في الصورة واللغة والإيقاع، ويضع العمل أمام مرآة فكرية قد تكون قاسية في الظاهر غير أنها ضرورية وحيوية في الحقيقة. وتبقى السينما التي لا تُناقش نقدياً وتُفكك بعناية مقيدة بمعناها الأولي والسطحي، وتفقد قدرتها على التطور والعمق والاستمرارية داخل الزمن الثقافي.
ويرفض بعض المخرجين والمنتجين الاعتراف بالدور الأساسي لشباك التذاكر بوصفها لحظة الحقيقة الأكثر صراحة في الصناعة السينمائية، على الرغم من أن التجارب الهوليوودية والأوروبية تبين أن السوق آلية تقييم اجتماعي وجمالي معقدة في آن واحد. ويشير الناقد الأمريكي روجر إيبرت إلى أن الفيلم الذي يفشل في جذب جمهوره يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرته على التواصل الفعلي والإقناع الحقيقي، حتى لو كان يحمل أفكاراً طموحة أو نوايا فنية عالية جداً. ليس الجمهور كتلة بدائية عديمة التمييز كما يتصورها بعض الفنانين المغرورين، إنما جزء عضوي من معادلة الفن والثقافة. ويؤدي تجاهل حكم الجمهور والنقاد غالباً إلى إنتاج أعمال معزولة ومنقطعة عن البيئة الاجتماعية والثقافية، تجد صعوبة في احتلال موقعها الطبيعي داخل الدورة الاقتصادية والثقافية للسينما.
ويرتكب الكثير من الفاعلين في الحقل السينمائي خطأ أساسياً عندما يخلطون بشكل متعمد أو غير متعمد بين النقد الموضوعي والعداء الشخصي، فيرفضون القراءة الصارمة والمتأنية للأعمال ويستبدلونها بخطاب الإطراء السطحي والمجاملة. ويؤكد كل من آلان بيرغالا وهنري أجيه أن الفن يتطور فقط عبر الاحتكاك الدائم والمثمر بين الرؤية الإبداعية والرؤية التحليلية النقدية. ومارس فرانسوا تروفو المخرج والناقد الفرنسي الأسطوري، النقد الحاد والصارم في مجلة “كايير دو سينما” قبل أن يصبح واحداً من أعظم المخرجين في التاريخ السينمائي. اعتبره درساً معرفياً قيماً حول كيفية صناعة الفيلم بطريقة مختلفة وأفضل. يبقى المخرج الذي لا يواجه نقداً حقيقياً وموضوعياً أسير منطقه الداخلي والشخصي، ويعيد إنتاج نفس الأخطاء الجمالية والسردية بوعي أو بغير وعي.
ويطرح عالم الاجتماع الفرنسي الكبير بيير بورديو إطاراً نظرياً قيماً لفهم الصراعات الداخلية بين السينما التجارية والسينما الفنية، والدور المركزي للنقد في تحديد السلطة الرمزية داخل الحقل السينمائي. ويؤكد في كتابه الشهير “الحقل الأدبي” أن كل حقل اجتماعي، بما فيه السينما يُحكم بصراع مستمر حول تعريف ما هو “فن حقيقي” وما هو “فن تجاري” و”ترفيه بلا قيمة”.ويمتلك الناقد السينمائي “سلطة رمزية” قوية تمكنه من تصنيف الأفلام وإعادة تصنيفها، وتحديد ما يستحق الاهتمام الجاد والذي لا يستحقه. عندما يرفع الناقد مثل أندريه بازان فيلماً معيناً بتحليل عميق وشامل، فإنه لا يمارس عملية تقييمية بسيطة وسطحية، إنما يمارس عملية “عنف رمزي” إيجابية تعيد رسم خريطة المجال السينمائي نفسه.
ويتجه بعض المنتجين والمخرجين بشكل مقصود إلى بناء شبكة معقدة من العلاقات والمصالح مع بعض الأقلام النقدية والإعلامية المؤثرة والقوية، فينقلب النقد من فعل معرفي مستقل وموضوعي إلى خطاب مجاملاتي بحت يخدم صورة العمل وسمعة صانعه أكثر من تحليله العميق والعادل. ويؤكد ديفيد بوردويل الناقد والمنظر السينمائي الأمريكي الكبير، أن استقلالية الخطاب النقدي شرط أساسي وضروري لشرعية وسلامة السينما كحقل ثقافي حي. ويؤدي انهيار المسافة الفكرية والموضوعية بين الناقد وصانع الفيلم بشكل مباشر إلى تزييف الوعي السينمائي الجماعي، وإنتاج تقييمات لا تجسد حقيقة العمل وقيمته الفنية الفعلية، إنما تجسد فقط توازنات شخصية ومصالح مالية متبادلة وعلاقات قوة. يفقد النقد من هنا وظيفته الأساسية والحيوية كسلطة فكرية قادرة على مساءلة الصورة الفنية وتفكيك بنيتها بعمق وموضوعية.
ويستمر بعض صناع الأفلام في رفض النقد الصارم والبناء بشكل مستميت رغم إخفاق أعمالهم الواضح تجارياً وجماهيرياً، متشبثين بصورة ذاتية مثالية عن إنتاجاتهم بعيدة عن الواقع الموضوعي. وتوضح التجارب السينمائية العالمية بشكل قاطع أن النجاح الحقيقي والمستدام لا يقوم على الإنكار والرفض، إنما على القدرة الفعلية على التكيف الذكي مع الملاحظات النقدية والبناءة وتطوير الذات والأدوات الفنية بشكل مستمر. ويدرك الفنان الذي يمتلك نضجاً مهنياً حقيقياً بوضوح أن النقد فرصة ذهبية لإعادة بناء أدواته الإبداعية بشكل أفضل وأكثر فعالية. ويتحول رفض النقد بكل أشكاله إلى علامة واضحة على ضعف في الوعي الصناعي والثقافي. تقوم السينما في جوهرها على صناعة معقدة ومركبة تقوم على التفاعل الحيوي والدائم بين الإبداع الفني والجمهور المتلقي والنقد البناء والسوق الاقتصادي. ويؤدي كل خلل أو عدم توازن في هذه المعادلة المعقدة بالضرورة إلى إنتاج أعمال فاقدة للتأثير الحقيقي والاستمرارية الثقافية على المدى الطويل.
ويكمن الحل الحقيقي والبناء في الاستماع الفعلي والصبور والفهم العميق لما يقوله الناقدون، وتحويل كلامهم إلى دروس معرفية تثري تجربتك كمخرج وتطور مهاراتك الفنية. يميز هذا السلوك الفنان الحقيقي الواعي عن الفنان المغرور الأناني.
تجاهل أقلام النقاد: لكن هل أنت مخرج أفلام ناجح في منظومة الصناعة السينمائية؟ | عبد الرحيم الشافعي | الناقد الجديد#عبد_الرحيم_الشافعي #الناقد_الجديد #نقد_سينمائي #سينما_عربية #ناقد_سينمائي













Leave a Reply