يستحضر فيلم “صوت هند رجب” تجربة سينمائية مشحونة بالسياسة والوجدان، ويؤكد الاتجاه الذي رسخته كوثر بن هنية في أعمالها السابقة عبر الاشتباك المباشر مع الواقع العربي المعاصر بوصفه مادة أخلاقية وجمالية في آن واحد، حينما يقترب من مأساة حقيقية ما زالت جراحها مفتوحة، ويتعامل معها ليس باعتبارها حدثًا مكتملًا، وإنما بوصفها سؤالًا معلقًا حول معنى الشهادة، وحدود السينما، وقدرتها على مواجهة العنف حين يصبح جزءًا من نظام عالمي مرئي ومسموع للجميع.
وينتمي الفيلم إلى منطقة وسطى بين الدراما والسينما التسجيلية، ويعتمد على إعادة بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، المحاصرة داخل سيارة عائلتها تحت القصف في غزة، عبر مكالمة هاتفية طويلة مع غرفة الاتصالات وطاقم الإسعاف، بينما يعيد العمل تمثيل الواقعة بدقة شبه توثيقية، مستندًا إلى تسجيلات صوتية حقيقية، ليجعل المتلقي شاهدًا على حدث يعرف نهايته مسبقًا، ومع ذلك يُجبر على معايشة تفاصيله الثقيلة لحظة بلحظة، في تجربة تقوم على المعرفة المسبقة بالفشل، وعلى استحالة تغيير المصير.
ويعرض الفيلم نفسه كعمل يعتمد الانتظار جوهرًا دراميًا، ويتخلى عن السرد التقليدي القائم على تصاعد الحدث، لصالح زمن ممتد يتحول فيه كل اتصال وكل دقيقة صمت إلى عبء أخلاقي خانق. ويختار حصر معظم المشاهد داخل فضاء مغلق هو غرفة الاتصالات، ويقصي الصورة الصادمة ليمنح الصوت دور البطولة، فيتحول صوت الطفلة إلى الرابط الوحيد مع الخارج، وإلى أداة تستحضر العنف دون الحاجة إلى إظهاره بصريًا، تاركًا المشاهد في مواجهة مباشرة مع ثقله النفسي.
ويستخدم الفيلم أسلوب الدوكيودراما بوصفه خيارًا واعيًا لتكثيف الواقع لا لتجميله، فيمزج بين الوثيقة والتمثيل، ويعيد بناء تفاصيل غرفة الاتصالات وطواقم الإسعاف بحس تقشفي يقترب من التسجيل الخالص. ويوظف الأداء التمثيلي هنا لخدمة الإحساس بالعجز، ويجعل الشخصيات محاصرة داخل نظام من القوانين والتصاريح والخوف، لتغدو الدراما أداة لكشف البنية الأخلاقية للكارثة لا لإعادة تمثيلها فحسب.
وتحوّل أحداث العجز والبيروقراطية إلى عنصرين فاعلين في السرد، ويقدمهما باعتبارهما شكلًا من أشكال العنف غير المرئي. ويراقب المشاهد محاولات المسعفين المتكررة لتهدئة الطفلة، واتصالاتهم المستمرة للحصول على تصريح لا يبعد تنفيذه سوى دقائق، ويرى كيف يتحول الانتظار إلى حكم بالإعدام، وكيف يصبح الالتزام بالإجراءات سببًا مباشرًا في استمرار المأساة. ويعري العمل نظامًا يجعل عدم الفعل ممارسة قاتلة، ويضع الجميع في موقع الشريك الصامت.
ويكشف الواقع من داخل غرفة الاتصالات، عالمًا محكومًا بالخوف والترقب، ويحول المكان إلى مسرح مأساوي تتكدس فيه الأصوات المتقطعة والتعليمات المستحيلة التنفيذ. ويرصد الضغط النفسي الذي يعيشه العاملون وهم يدركون أن التزامهم بالقواعد لا يحميهم ولا يحمي من يحاولون إنقاذه، ويستحضر اللحظة التي تتحول فيها الموافقة المنتظرة إلى ورقة بلا قيمة، بعد قصف المسعفين الذين تحركوا لإنقاذ الطفلة، لتنهار كل ساعات الانتظار دفعة واحدة.
ويتعمد جوهر السيناريو تجريد الجاني من حضوره البصري المباشر، فلا يظهر الفاعل العسكري صراحة، ويظل في الهامش السمعي والضمني، ليفتح بابًا لتأويلين متعارضين. يتيح هذا الغياب قراءة ترى فيه فضحًا لنظام كامل سمح بوقوع الجريمة واستمرارها، ووسّع دائرة المسؤولية لتشمل البيروقراطية والتواطؤ الدولي، كما يتيح قراءة أخرى تعتبر أن هذا التجريد يخفف حدة الاتهام السياسي المباشر، ويترك مركز الصورة مشغولًا بالمسعفين والأنظمة بدل السلاح الموجه إلى طفلة لم تتجاوز سنواتها الأولى.
وتطرح فكرة الفيلم في نهايته سؤالًا أخلاقيًا لا يقل قسوة عن القصة نفسها، ويتساءل عن جدوى إعادة استحضار مأساة ما زالت حاضرة في الوعي الجمعي، وعن الفاصل الدقيق بين الشهادة والاستغلال. يضع المتفرج أمام اختبار صعب حول حق السينما في الاقتراب من الألم بهذه السرعة، وحول ما إذا كان استدعاء صوت طفلة قُتلت حديثًا فعل إنصاف أم إعادة تدوير لجرح لم يلتئم بعد، في زمن تحولت فيه المأساة إلى مادة متكررة للعرض، دون أن يتحقق لها أي شكل من أشكال العدالة.

المصدر: الناقد الجديد











Leave a Reply