تُعدّ السينما الفلسطينية اليوم مرآةً صادقةً تعكس وجع الإنسان في غزة وتخلّد تفاصيل يومياته تحت الحصار والحرب، فتتحول الصورة من أداة فنية إلى شهادة إنسانية وتاريخية تحفظ الحقيقة وتنقلها إلى الضمير العالمي بوضوح وجرأة، وتمنح الضحايا صوتاً يروي حكاياتهم ويؤكد حضورهم في وجه محاولات الطمس والتغييب.
وتُجسّد السينما الفلسطينية بإصرارٍ كبير وقائع الكارثة الإنسانية منذ اللحظات الأولى للحرب، وتبذل الطاقات الإبداعية أقصى ما تستطيع من أجل إيصال رسالة الشعب المكافح إلى العالم، فيتقدم الفيلم التسجيلي الصفوف بوصفه الأقدر على الاقتراب من الحدث والتفاعل معه مباشرةً؛ فتتحول العدسة إلى شاهد عيان يلتقط الألم والأمل معاً، وينقل المشهد متكاملاً من دون حذف أو تجزئة، فتغدو الصورة وثيقةً دامغة تعبّر عن الحقيقة كما تتشكّل على الأرض.
وتُسجّل كاميرات الهواتف المحمولة الحكاية المأساوية بكل تفاصيلها الدقيقة، فتمنح العمل روحاً عفوية قريبة من الناس، وتُنتج لغة بصرية نابضة بالمشاعر، وتُظهر آثار الجوع والعطش والخوف في الوجوه والحركات ونبرات الصوت، وتُبرز لحظات المواجهة اليومية مع الموت بوصفها جزءاً من روتين الحياة، فتندمج البساطة التقنية مع صدق التجربة لتصنع خطاباً إنسانياً بالغ التأثير.
ويُقدّم المخرج يوسف خطاب فيلم “بلا جدران” كخطوته الأولى في عالم الإخراج السينمائي، فيضع بصمته عبر عمل تسجيلي يتحول إلى وثيقة تاريخية تحفظ بالصوت والصورة مشاهد التحول القاسي الذي أصاب قطاع غزة؛ فتغدو المباني الشامخة أطلالاً، وتتحول الأزقة العامرة إلى مساحات جرداء، وتستبدل البيوت بالخيام التي تقف ثابتة في وجه الرياح والعواصف، كأنها تُعلن تضامنها مع ساكنيها وتشاركهم قوة الاحتمال وروح التحدي، فتغدو القسوة ملموسة في كل لقطة، ويصير العنوان تعبيراً مكثفاً عن واقع العيش في فضاء مكشوف تحت السماء.
وتنقل السينما التسجيلية هذه الوقائع عبر سيناريو متقن البناء وتوظيفٍ ماهر لعناصر الصورة والصوت، فتتناغم الموسيقى مع الإضاءة، ويتحول الظلام إلى رمز دالّ على أجواء الحصار والاختناق، وتُضفي المؤثرات الفنية عمقاً نفسياً على المشاهد؛ ويخوض فريق العمل مغامرة شجاعة بالدخول إلى مناطق ملتهبة تتقاطع فيها النيران، فيقود المشاهد إلى قلب الحدث ليعايش التجربة مباشرة، فيتكون إدراك أعمق لحجم المعاناة التي تتجاوز ما تبثه القنوات الإخبارية.
ويتابع تكوين اللقطات عبر شخصية عصام أبو شالة وصوت الراوي، فيكشف استمرار التعليم بإمكانات بسيطة تحمل روح الإصرار، فتظهر السبورة فوق الأنقاض، وتُرتّب المقاعد الإسمنتية من تراب الأرض، وتُعلّق الأقمشة الخفيفة لتشكّل فصولاً دراسية تحضن الأطفال، وتُعرض مشاهد إعداد الخبز بجهود الأمهات، وتُبتكر وسائل بدائية لتخزين المياه والاعتناء بالنظافة، فتتجسد قدرة الإنسان على التكيّف وصناعة الحياة من قلب الخراب؛ وتنتقل الكاميرا إلى الأسواق، فترصد تفاصيل البيع والشراء ومساومات الأسعار، فتنعكس الفجوة الكبيرة بين حاجات الناس وإمكاناتهم المحدودة.

وينتقل الفيلم إلى المقابر الجماعية في لحظة تأمل عميقة، فيضع المشاهد أمام مقارنة مؤثرة بين يوميات مثقلة بالسعي وراء لقمة العيش وحياة أبدية للشهداء الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، فتتجلى معاني التضحية والسمو، ويتحوّل المكان إلى مساحة للتفكر في قيمة الحرية والثمن الذي دُفع من أجلها، فتترسخ صورة الشهادة باعتبارها ذروة العطاء الإنساني.
ويستعرض العمل صورة شاملة لحياة المحاصرين داخل القطاع، فتبرز معاناة البحث عن الكهرباء والماء والدواء ووسائل التنقل والاتصال، وتمتد طوابير الإغاثة لمسافات طويلة في انتظار حصص محدودة من الطعام والملابس، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى معارك يومية من أجل البقاء؛ ثم يختتم السرد بمشهد دفن رسالة في باطن الأرض لتصل إلى الأجيال القادمة، فتغدو الرسالة رمزاً للذاكرة الجماعية ودعوةً إلى حفظ الحكاية من النسيان.
ويختتم المخرج عمله بنبرة رجاءٍ تفتح أبواب التفاؤل، فتتعالى الأغاني الوطنية وتختلط مشاعر الفرح بإعلان وقف إطلاق النار، فتشرق في القلوب بارقة أمل بمستقبل أكثر أمناً وكرامة، ويستمر الإيمان بأن إرادة الحياة أقوى من كل عدوان، وأن الصورة الصادقة ستبقى شاهداً دائماً على صمود الإنسان الفلسطيني وقدرته على النهوض من تحت الركام.
المصدر: الناقد الجديد













Leave a Reply