عبدالرجيم الشافعي
كرّست الدورة الثامنة من “ليلة نجوم التلفزيون والسينما”، التي يشرف عليها مديرها عبد اللطيف سكارجي، حضورها كموعد سنوي بارز للاحتفاء بنجوم الدراما المغربية وتكريم الأسماء التي بصمت المشهد الفني بإنتاجات متميزة. وقد شهدت مدينة الدار البيضاء أجواء احتفالية راقية جمعت الفنانين والمخرجين والكتّاب والمنتجين والنقاد، في لحظة اعتراف جماعي بما حققته الصناعة السمعية البصرية من تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى جودة الأعمال أو تنوع مضامينها وجرأتها في طرح القضايا المجتمعية.
تميزت هذه الدورة بإبراز الدينامية المتنامية التي يعرفها القطاع الفني المغربي، من خلال تتويج أعمال تلفزية وسينمائية ورقمية لاقت متابعة واسعة من الجمهور، إلى جانب تكريم أسماء فنية بارزة، من بينها الفنانة جميلة شارق التي نالت جائزة التميز تقديرًا لمسارها الفني وحضورها المتوازن في أعمال درامية وسينمائية لافتة. كما عكست التظاهرة، في أجواء فنية متنوعة شملت عروضًا موسيقية واستعراضية وفقرات احتفالية، روح التطور التي يشهدها المشهد السمعي البصري المغربي، مؤكدة في ختامها مكانتها كمنصة سنوية للاعتراف بالإبداع ودعم المواهب وترسيخ إشعاع الفن المغربي.
وتبرز جميلة شارق بصفتها واحدة من أبرز الفنانات اللواتي جمعن بين الموهبة والخبرة والالتزام الفني المتواصل، لكنها رغم ذلك لم تحظَ بالفرص الكاملة التي تكشف عن قدراتها الحقيقية. إذ إن مسيرتها الطويلة، التي انطلقت من الإعلام والمسرح مرورًا بالدراما والتلفزيون وصولًا إلى السينما، تُظهر شخصية فنانة صلبة تعرف كيف تستثمر كل فرصة للتطوير والتميز. ويكشف تاريخها الفني عن نموذج للفنانة المغربية المتكاملة، القادرة على تقديم أدوار مركبة وإثراء المشهد الفني بعمق إنساني واجتماعي، رغم القيود التي تفرضها قلة الفرص أمام رواد الفن الحقيقيين في المملكة.
وبدأت مسارها الفني في استوديوهات عين الشق من خلال برنامج “حب الرمان”، بالتوازي مع مواصلة دراستها الجامعية، حيث أظهرت إرادة قوية في بناء قاعدة متينة لمهنتها، وحرصت على تطوير قدراتها الفنية باستمرار، مستثمرة كل فرصة تعليمية لتثبيت موهبتها ومؤكدة رغبتها في التميز منذ البداية. ثم برزت في مسرح اليوم وشاركت في مسرحية “بوغابة” التي حققت نجاحًا جماهيريًا، وأظهرت قدرة على التفاعل مع الفريق المسرحي وإتقان أصول الأداء على الخشبة، فجسدت شخصية مليحة في مسرحية “جحا في الرحا”، وهو دور أهلها لنيل جائزة أحسن ممثلة بمهرجان المسرح العربي، فمثلت المغرب في مهرجانات دولية هامة مثل قرطاج ودمشق، مؤكدة حضورها القوي وعمق شخصياتها المسرحية.
وشاركت جميلة في أعمال مسرحية متنوعة مثل “كولو العام زين” و”سيدي حبيبي”، وتعاونت مع فنانين كبار مثل الحسين بنياز، لتعميق خبرتها الفنية وتقوية قدرتها على تقديم أدوار مركبة ومتعددة الأبعاد. كما امتدت تجاربها إلى الشاشة الصغيرة من خلال مسلسلات ناجحة مثل “حوت البر” و”الدار الكبيرة” و”خلخال الباتول”، مؤكدة مرونتها في التنقل بين المسرح والتلفزيون وإتقانها لأدوار متنوعة. وفي السينما قدمت أعمالًا مهمة مثل “الحلم المغربي”، حيث جسدت دور شاما ونالت جائزة أحسن ممثلة في مهرجان الفيلم الرياضي، وأدت دور أم المجذوب في مسلسل “المجذوب”، ودور كنزة في “شمس الليل”، كما أبدعت في الشريط التلفزيوني “بنات رحمة”. وإلى جانب ذلك، تستعد لتقديم أعمال مقبلة مثل “الهكار الأبيض” و”أرض جموع”، مؤكدة حرصها على مشاريع متنوعة تتسم بالجودة والعمق
وكتبت جميلة بعض السيناريوهات المهمة مثل “شمس الليل”، و”زينة الحياة”، وسلسلة “للا مولاتي”، ونالت جوائز عن أعمالها، مؤكدة قدرتها على الدمج بين التمثيل والكتابة، وإبداع محتوى متكامل يحمل رسالة وعمقًا إنسانيًا واجتماعيًا يعبر عن رؤيتها الفنية الشاملة. وتميّزت بأسلوب رصين ومتماسك في الأداء، وقدرة على التحكم في أدق تفاصيل الشخصية وإظهار العمق النفسي والإنساني للشخصيات التي تجسدها، وحافظت على اتزانها الفني في كل أعمالها، وأظهرت التزامًا بالمعايير الاحترافية للتمثيل، وجعلت حضورها مؤثرًا دون مبالغة، ما جعلها إحدى الممثلات القلائل القادرات على تقديم أدوار مركبة وقوية.
ورغم مسيرتها الطويلة وإنجازاتها العديدة، لم تحصل جميلة شارق على حقها الكامل في السينما والدراما المغربية، إذ بقيت أدوارها غالبًا محدودة مقارنة بقدراتها الحقيقية. ويحمل أداؤها إشارات واضحة لقدرتها على تقديم أدوار رئيسية قوية ومؤثرة، وكان من الممكن أن تصبح علامة فارقة في كل مشروع فني تشارك فيه، مؤكدة أن موهبتها تتجاوز ما تم تقديمه حتى الآن. فهي تمثل رمز الرصانة والاحترافية في المشهد الفني المغربي، وتثبت أن التمثيل المتميز يتطلب المثابرة والجدية والقدرة على التجديد المستمر. كما حافظت على علاقة قوية مع جمهورها، وبرزت كفنانة شاملة تجمع بين المهارة والعمق النفسي والقدرة على تقديم فن راقٍ يبقى حاضرًا في وجدان المشاهد والنقاد على حد سواء.
وبصفتها فنانة مغربية بدأت مسارها من تجربة إعلامية بسيطة في تنشيط برنامج “حب الرمانة”، قبل أن تتجه نحو المسرح لتبني تكوينًا أكاديميًا استمر سبع سنوات في المعهد البلدي للتكوين المسرحي بالدار البيضاء، فقد منحها هذا الإصرار على التكوين والدراسة انطلاقة قوية عبر العمل مع ثريا جبران، ثم تأسيس فرقتها المسرحية، وهو ما منحها احترافية مبكرة. هذه البداية تكشف عن شخصية لا تكتفي بالصدفة، بل تضع أسسًا واضحة لمسارها الفني.
وتكشف الفنانة المغربية عن وعيها بتعدد الأدوار التي يمكن للفنان أن يؤديها، فهي تجمع بين التمثيل والكتابة، وهذا التداخل بين المجالين يبرز شخصية مرنة تعرف متى تعطي الأولوية للتمثيل ومتى تنشغل بالكتابة، بحسب قيمة المشاريع التي تُعرض عليها، إذ إن معيارها الأساسي هو الجودة، كتعبير عن شخصية فنانة لا تركض خلف الكثرة، وإنما تبحث عن التميز سواء في الأدوار أو في النصوص. وتعتبر جميلة شارق أن جميع الأدوار التي جسدتها تركت بصمتها الخاصة في حياتها، وهذه الرؤية تكشف عن وعي ناضج بالفن قائم على تراكم التجارب لا على انتظار لحظة واحدة فارقة، وبذلك ترسم لنفسها صورة فنانة متوازنة تدرك أن قيمتها تتحدد بتنوع أدوارها.
وتبرز شخصية جميلة شارق الاجتماعية، فهي حاضرة في الساحة الجمعوية منذ طفولتها، وتولي للعمل الاجتماعي مكانة أساسية في حياتها اليومية. فمشاركتها في الأنشطة والتظاهرات، وانخراطها في الجمعيات، يكشفان عن فنانة تحمل مسؤولية إنسانية موازية لمسؤوليتها الفنية، وهذا الحضور الاجتماعي يضيف بعدًا آخر لصورتها، يجعلها قريبة من الجمهور داخل وخارج المملكة، خصوصًا أن التلفزة تبقى الوسيلة الأوسع لتعريف الناس بالممثلين والفنانين.
وتتوالى أعمالها المسرحية لتشمل مسرحيات “غيثة” مع مسرح الجرس، و”كولو العام زين” و”القضية فيها إن” مع مسرح الشعب، و”سيدي حبي نوصله” مع مسرح الأضواء، و”بيا وال بيك” مع مسرح التنمية، و”الرهوط” مع مسرح البيضاء، و”أورجو” مع مسرح الآن، كما شاركت في المسرحيات المصوّرة مثل “المفتش” للطيب الصديقي التي لاقت نجاحًا جماهيريًا. بينما تألقت في أعمال تلفزيونية منها: “بنات رحمة” لفريدة بورقية، “المجدوب”، “الدار الكبيرة”، “حوت البحر”، “خلخال الباتول” لجمال بلمجدوب، وسيتكوم “مبارك ومسعود”. كما عُرفت بدورها في “صالون شهرزاد” للمخرج المصري أمير رمسيس، ومسلسلات “شمس الليل”، “أرض جموع”، “دارت ليام” لإبراهيم الشكيري، “أحسن العائلات” و”القرية المنسية”، إضافة إلى مشاركتها في أعمال حديثة مثل “أمول نوبة” لسامية أقاريو، “ألحان الماضي”، وسلسلة “باب الحي” من إخراج محمد بوحاري.
كما جسدت أدوارًا مهمة في أفلام “الحلم المغربي” لجمال بلمجدوب، الذي نالت عنه جائزة أحسن ممثلة في مهرجان الفيلم بالرباط، و”زهرة أغمات” لفريدة بورقية، و”وليلي” لفوزي بنسعيدي، و”ما تفاهمناش” لأيوب العياشي، والفيلم الفرنسي “Retour à Boulène” لسعيد حميش، كما شاركت في فيلم “مازال الحال” لهشام الجباري. وتمتد مسيرتها إلى الكتابة، إذ ساهمت في ورشة كتابة مسلسل “زينة الحياة” بأجزائه الأربعة، وسلسلة “صوت النسا”، وكتبت حلقات برنامج “مداولة”، ومسرحيات مثل “الماء والشطابة”، “بيا وال بيك”، “مراية علال” و”إنت وزهرك”. كما شاركت في برامج إذاعية منها “دقيقة المواطنة” و”لقاء التنمية”، مؤكدة بذلك حضورها الفني المتنوع والمتكامل عبر مختلف الوسائط الإبداعية.
#عبدالرحيم_الشافعي #جميلة_شارق #الناقد_الجديد #الدورة_الثامنة_تكرّس_حضورها_كموعد_سنوي_لتكريم_نجوم_الدراما_والاحتفاء_بتطور_المشهد_السمعي_البصري_المغربي











Leave a Reply