الحضور العربي في فضاء الثقافة الأوروبية –مدريد – الدورة الخامسة والثمانون لمعرض كتاب مدريد – 9 يونيو 2026
عبدالرحيم الشافعي
يُمثِّل معرض الكتاب الدولي بمدريد في دورته الخامسة والثمانين (29 مايو – 14 يونيو 2026) واحدًا من أرسخ التظاهرات الثقافية في القارة الأوروبية وأوسعها أثرًا، إذ يستقطب سنويًا آلاف الناشرين والكتّاب والقراء من شتى أصقاع العالم. ويتجاوز هذا المعرض وظيفته التجارية المتمثلة في بيع الكتب وترويجها، ليصبح فضاءً حواريًا متعدد الأبعاد، تلتقي فيه الثقافات وتتبادل فيه الرؤى والتصورات الفكرية والأدبية.
وُلدت لطيفة لبصير بالدار البيضاء، وهي أستاذة جامعية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني، تمتد مسيرتها الفكرية على مدى يزيد على ثلاثة عقود جمعت خلالها بين صرامة البحث الأكاديمي وغنى الكتابة الإبداعية، وهو توليف نادر يُعبِّر عن وعي عميق بالمسؤولية الثقافية التي تضطلع بها الكاتبة تجاه الطفولة والمجتمع.
تمارس لبصير الكتابة لفئة الطفل واليافعين بوصفها فعلًا تربويًا وإنسانيًا في آن معًا، إذ تؤمن بأن الأدب الموجَّه للأطفال يشكّل ركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان وتنمية قيم التسامح والانفتاح والتقبل للآخر. ويتجلى ذلك في اختيارها موضوعات حساسة ذات أبعاد اجتماعية ونفسية عميقة، معالِجةً إياها بلغة سلسة متماسكة تناسب الفئات العمرية المستهدفة.
حصدت لطيفة لبصير على مدى مسيرتها عددًا من التكريمات الوطنية والعربية، غير أن تتويجها بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2025 في فرع أدب الطفل والناشئة عن كتابها “طيف سبيبةّ” يُعدُّ اعترافًا دوليًا غير مسبوق يضعها في مصاف الكُتّاب العرب الذين تجاوز إبداعهم الحدود الجغرافية والثقافية. وتكتسب هذه الجائزة أهمية استراتيجية خاصة كونها تفتح أمام الأعمال الفائزة آفاق الترجمة والنشر في أسواق عالمية متعددة.

وتقدِّم رواية “طيف سبيبة” (المركز الثقافي للكتاب، 2024) نموذجًا فريدًا لما يمكن أن يُصطلح عليه بـ”الأدب العلاجي” الموجَّه للطفل؛ إذ تروي الكاتبة قصة سبيبة، طفلة تعيش داخل عالم التوحد، وكيف يتفاعل المحيط الأسري والاجتماعي مع خصوصية وجودها. ويُوظَّف في هذا السياق الأدب أداةً لتفكيك مفاهيم الفردانية والتطبيع الاجتماعي والإقصاء.
ويتناول العمل ظاهرة التوحد بمقاربة إنسانية تتجنب السرديات الطبية الباردة وتتجاوز الوصمة الاجتماعية التي كثيرًا ما تُلازم هذه الحالة. وتستحضر الكاتبة عالم سبيبة الداخلي بحساسية أدبية مرهفة، تجعل القارئ الصغير يتعاطف مع الشخصية ويُعيد النظر في تصوراته المسبقة حول مفهوم “الاختلاف”.
وتتميز الرواية على المستوى الفني بجملة من الخصائص الأسلوبية التي تجعله يستوفي شروط الكتابة الأدبية الرفيعة إلى جانب وظيفته التربوية؛ فاللغة المعتمدة تجمع بين السلاسة والعمق الدلالي، بما يتيح لها الوصول إلى الطفل دون الإخلال بأصالة التجربة الإبداعية. أما الرسوم التوضيحية المرافقة للنص فتؤدي دور الوسيط البصري الذي يُعزز الاستجابة العاطفية ويُيسِّر الاستيعاب المعرفي لدى القارئ الناشئ.
يُقرأ العمل كذلك باعتباره وثيقة ثقافية تُعيد توجيه خطاب الاختلاف من مساره الإقصائي إلى مسار التقبل والاندماج الاجتماعي، إذ يشكِّل اللقاء المزمع يوم التاسع من يونيو 2026 في مقر كازا عربي فعاليةً ثقافية متعددة الأبعاد، يُديرها كريم هاورز مدير إدارة الثقافة والعلاقات الدولية. وتنضمّ إلى الكاتبة المترجمُ أنطونيو مارتينيث كاسترو، أحد المختصين في نقل الأدب العربي إلى اللغة الإسبانية.
تتمحور محاور النقاش حول جملة من الإشكاليات الجوهرية، أبرزها: آليات بناء خطاب أدبي موجَّه للطفل يتمتع بالقدرة على اختراق الحواجز اللغوية والثقافية؛ وتحديات ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإسبانية وما تنطوي عليه من رهانات معرفية وجمالية؛ فضلًا عن الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الجوائز الكبرى في تشكيل خارطة الأدب العربي على الصعيد الدولي.
يكتسب هذا اللقاء دلالات رمزية عميقة تتعدى بُعده الاحتفالي الآني؛ إذ يُوظَّف أدب الطفل العربي جسرًا لتعزيز التواصل الحضاري بين ضفتين متمايزتين لكنهما تتشاركان في الإيمان بقيم الإنسانية المشتركة. كما يُبرز الحدث الحضور النوعي للمرأة المبدعة المغربية في المشهد الثقافي الدولي، مُعززًا فكرة أن الإبداع الأدبي العربي قادر على تجاوز حدوده الجغرافية وإرساء حوار حضاري مثمر.
ويتزامن هذا الحدث مع احتفال جائزة الشيخ زايد ب20 عام، مما يُحمِّله أبعادًا تاريخية تستدعي التوقف والتأمل؛ فهو يُعبِّر عن تراكم نحو عقدين من جهود بناء الجسور الثقافية بين الفضائين العربي والإسباني، ويُلقي الضوء على مسار طويل من الشراكة الأدبية والمعرفية التي أثمرت نتائج ملموسة في مجال التبادل الثقافي والترجمة الأدبية.
يطرح هذا اللقاء في عمقه تساؤلات أكاديمية جوهرية تتصل بوضعية الأدب العربي في السياق الأوروبي الراهن؛ إذ تظل الهوّة القائمة بين الإنتاج الأدبي العربي الغزير ومحدودية انتشاره الدولي تُمثِّل إشكالية بنيوية تستوجب دراسة معمّقة من زوايا متعددة: نقدية، وترجمية، وسوسيولوجية.
تتشابك في هذه الإشكالية عوامل معقدة؛ فثمة تحديات بنيوية تتعلق بسوق الترجمة وآليات اشتغالها، وتُمثِّل ندرة المترجمين المتخصصين في الزوج اللغوي العربي-الإسباني عقبةً رئيسية أمام تداول الأدب العربي في الأسواق الإسبانية واللاتينية. فضلًا عن ذلك، يُفرز الحضور الرقمي المتنامي والهيمنة المتزايدة للمحتوى الترفيهي على وسائل التواصل الاجتماعي ضغطًا متصاعدًا على القراءة الورقية لدى الأجيال الناشئة.
ويساهم النموذج الذي تجسِّده لطيفة لبصير في فتح آفاق جديدة لهذا النقاش؛ إذ تُقدِّم تجربتها مثالًا واقعيًا على إمكانية تجاوز هذه العوائق حين يقترن الإبداع الأصيل بالاعتراف المؤسسي الدولي، وتدعم ذلك إرادة في الانفتاح والحوار تتمثَّل في الحضور الميداني في الفضاءات الثقافية الأوروبية.
ويتجلى في تجربة لطيفة لبصير وفي الحدث الثقافي المُصاحب لها بمدريد نموذجٌ جدير بالدراسة والاستلهام؛ نموذج يُعيد الاعتبار لأدب الطفل باعتباره جنسًا أدبيًا ذا قيمة فكرية وجمالية عالية، ويرسّخ مكانة الكاتبة العربية فاعلةً رئيسيةً في تشكيل الوعي الثقافي وبناء الجسور الإنسانية.
ويستدعي الحدث التوقف أمام دلالة عميقة: ففي زمن تتصاعد فيه الحواجز وخطابات الانغلاق، يأتي هذا اللقاء الأدبي في قلب أوروبا ليؤكد أن الكلمة قادرة على اختراق الحدود، وأن القصة المكتوبة بصدق وإنسانية لا تعرف وطنًا واحدًا، بل تتسع لتشمل كل روح تبحث عن المعنى والانتماء. وفي الحالة الخاصة لـ«طيف سبيبة»، تصبح قصة طفلة واحدة مرآةً لآلاف الأطفال في كل أنحاء العالم ممن ينتظرون أن تُحكى قصصهم بالكرامة والجمال ذاتهما.
ويبقى الرهان الحقيقي أن تكون هذه الفعالية بداية لمسار أوسع وأعمق من التعاون الثقافي العربي-الأوروبي، قادر على تحويل الحوار الأدبي إلى برامج ترجمة ممنهجة، وشراكات نشر مستدامة، وإدراج للأدب العربي ضمن المناهج الثقافية الأوروبية. وتلك مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والناشرين والمثقفين على ضفتي المتوسط.
لطيفةلبصير #طيفسبيبة #جائزةالشيخزايدللكتاب #أدبالطفلالعربي #كازاعربي #معرضكتابمدريد #الأدبالمغربي #التوحدفيالأدب #الثقافةالعربيةفيأوروبا #الناقدالفنيعبدالرحيم_الشافعي











Leave a Reply