الدول المتقدمة الواعية تستثمر طاقة شعوبها في صناعة قوى التعليم والصحة والتكنولوجيا المتطورة.
تعتمد قوة الدول الحديثة على منظومة مترابطة تشمل التعليم الجيد، والبحث العلمي، والصحة العمومية، والقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، بينما تشهد مجتمعات واسعة في إفريقيا والعالم العربي انشغالًا مكثفًا بكرة القدم بوصفها مركز الاهتمام الشعبي، والحق ان هذا الانشغال يتزامن مع اختلالات بنيوية في مؤشرات التنمية البشرية، بين الترفيه الجماهيري، وضعف الاستثمار في الإنسان، إذ تتعرض هذه المجتمعات لأشكال متعددة من الهيمنة.
ويكشفُ تحليل البنية الثقافية السائدة في عدد كبير من المجتمعات الإفريقية والعربية أزمة خانقة في ترتيب الأولويات العامة، مثل كرة القدم التي تحولت إلى محور الحياة اليومية، وتُمنح مساحة إعلامية واقتصادية ضخمة، بينما تعاني قطاعات التعليم والصحة من ضعف مزمن، بينما تشير تقارير دولية متعددة إلى نسب أمية تتجاوز 20 في المئة في عدد من الدول الإفريقية، وتقترب من 25 في المئة في بعض الدول العربية، مع تفاوتات حادة بين المدن والأرياف وبين الذكور والإناث، وهذا الواقع يحد من قدرة المجتمع على إنتاج وعي نقدي قادر على مساءلة الخيارات الكبرى.
ويبرزُ التفاوت الحضاري عند مقارنة هذه المؤشرات بمثيلاتها في الدول المتقدمة، فبينما أوروبا وشرق آسيا، تنخفض نسب الأمية إلى مستويات هامشية، وغالبًا أقل من 2 في المئة، ويصل متوسط سنوات التمدرس إلى أكثر من 12 سنة، فالتعليم العالي والبحث العلمي يشكلان ركيزة السياسات العمومية، وتُخصص نسب معتبرة من الناتج المحلي للبحث والتطوير، في حين تخصص دول عربية وإفريقية أقل من 1 في المئة من ناتجها للبحث العلمي، يعبر مباشرة على ضعف الابتكار والتبعية التكنولوجية.
ويفسرُ هذا الخلل بوصفه نتيجة تاريخ طويل من تهميش المعرفة داخل السياسات العمومية، مع توظيف الترفيه الجماهيري أداة لتفريغ التوتر الاجتماعي. فالإعلام الرياضي يضخم الأحداث الكروية ويحولها إلى سردية يومية جامعة، فتتراجع النقاشات المرتبطة بجودة التعليم أو كفاءة النظام الصحي، كما أن المواطن يتحول تدريجيًا إلى متلقٍ سلبي، يشارك وجدانيًا في الانتصارات الرياضية، ويبتعد عن المشاركة العقلية في الشأن العام.
ويفضحُ الواقع الصحي في العالم العربي وإفريقيا عمق الأزمة البنيوية، فمتوسط الإنفاق الصحي في عدد من هذه الدول يبقى دون 5 في المئة من الناتج المحلي، مقابل نسب تتجاوز 10 في المئة في الدول الصناعية، بينما معدلات وفيات الأطفال والأمهات تبقى مرتفعة، وتنتشر أمراض يمكن الوقاية منها عبر أنظمة صحية فعالة، وهنا يتحول الاحتفال الكروي إلى غطاء نفسي اجتماعي يخفي هشاشة الحق في العلاج والحياة الكريمة.
ويحللُ هذا الوضع ضمن إطار أوسع مرتبط بصناعة السلاح والتكنولوجيا العسكرية العالمية، إذ تستثمر الدول المتقدمة بكثافة في البحث العلمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة المتقدمة، وهذه التكنولوجيا تُستخدم بصورة مكثفة في مناطق إفريقيا والعالم العربي أساسا، سواء عبر النزاعات المباشرة أو عبر أنظمة الضبط الأمني، في حين أن العجز المعرفي يجعل هذه المجتمعات مستهلكة للتكنولوجيا العسكرية وميدانًا لتجريبها، بينما تبقى عاجزة عن امتلاك أدوات الردع العلمي والتقني.
ويبرز هذا المشهد علاقة سببية واضحة بين تراجع التعليم وتزايد القابلية للهيمنة، لان ضعف المدرسة والجامعة يؤدي إلى هشاشة الوعي، وهشاشة الوعي تسهل توجيه الجماهير عبر الخطاب العاطفي، والخطاب العاطفي يجد في كرة القدم وسيلة مثالية للتعبئة،وفي هذه الدائرة يتحول الإنسان إلى كتلة انفعالية، ويتراجع دوره كمواطن فاعل قادر على التفكير النقدي وصناعة القرار.
ويدعو الخروج من هذا المأزق الحضاري إلى إعادة بناء التفكير الفردي على أساس الاستثمار في الذات، ورفع جودة التعليم، ةخفض نسب الأمية، وتعزيز البحث العلمي، وتحسين الخدمات الصحية التي تشكل شروطًا أساسية لأي مشروع نهضوي. افلرياضة تحتفظ بقيمتها الثقافية والاجتماعية، غير أن منحها موقعًا مركزيًا على حساب المعرفة يؤدي إلى إدامة التخلف، وامتلاك العقل المنتج يشكل الحصن الحقيقي أمام الهيمنة التكنولوجية والعسكرية، ويحول المجتمعات من قطيع منفوخ بالحماس إلى فاعل تاريخي واعٍ.
المصدر: الناقد الجديد











Leave a Reply