تعيد السينما الفلسطينية النظر في التاريخ الوطني، لكنها غالباً تتأخر عن اللحظة التاريخية التي تحاول تقديمها، خاصة مرحلة النكبة التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في وعي الشعب الفلسطيني وهويته، إذ يظهر من متابعة الإنتاج السينمائي الفلسطيني أنّ الأفلام السابقة ركّزت على الحاضر القريب، وعلى الواقع اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية أو المخيمات، معتمدة على صور مألوفة للمعاناة الإنسانية، مثل مشهد مدني يُهان على حاجز إسرائيلي أو يواجه عنفاً من شرطي، بينما غابت جذور القضايا الكبرى المرتبطة بالاستعمار والاستيطان والهجرات المبكرة، وهو ما يجعل التاريخ الفلسطيني الحقيقي غائباً عن الشاشة.
وتستعرض السينما الفلسطينية محاولات متعددة لتناول التاريخ، لكنها اقتصرت غالباً على الحكم العسكري داخل البلاد خلال الخمسينيات والستينيات، بينما تعتمد أفلام مثل “كفر قاسم” 1974 لبرهان علوية و”عرس الجليل” 1987 لميشيل خليفي و”درب التبانا” 1997 لعلي نصار على هذا الإطار، حين يقدّم المخرجون التاريخ عبر مراحل محدودة. ويصنع علوية فيلمه من الخارج بالاعتماد على كتب وشهادات، بينما يقدم خليفي ونصار أعمالهما من الداخل الفلسطيني، لكن كل هذه الأفلام لم تعالج جذور القضية قبل النكبة، ولم تجعلها محوراً رئيسياً للعمل السينمائي، لأنها اقتصرت على معالجة فترات لاحقة تُعتبر تاريخية بالنسبة لإسرائيليي القرار، لكنها تبقى سطحية بالنسبة للتاريخ الفلسطيني الكامل.
وتستخدم أفلام مثل “لما شفتك” 2012 لآن ماري جاسر و”باب الشمس” 2004 ليسري نصرالله و”الزمن الباقي” 2009 لإيليا سليمان التاريخ كبداية للقصص، دون أن يجعلوه حدثاً متكاملاً للفيلم، وتركز هذه الأفلام على الحكاية الشخصية أو الجماعية في سياق معاصر، بينما يقتصر الدور التاريخي على تقديم الخلفية، وهو ما يترك فجوة في التوثيق السينمائي للنكبة والأحداث التي سبقتها مثل ثورة 1936، والتي تُعد لحظات تأسيسية في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وتفتح أفلام مثل “فرحة” 2021 لدارين سلام الباب نحو معالجة النكبة بشكل كامل، إذ يتناول الفيلم النكبة كموضوع رئيسي للفيلم، وليس كخلفية ضمن قصة معاصرة، ويقدم تجربة شخصية داخل سياق جماعي، ليمنحه خصوصية تاريخية استثنائية، بينما يصنع الفيلم عالماً محلياً، مقتصراً على بيت ومخزن ومحيط محدد، لكنه يضع الحدث التاريخي في قلب السرد، ويجعل المشاهد يعيش التجربة الفلسطينية بشكل مباشر من البداية إلى النهاية، مع الحفاظ على التفاصيل التاريخية الدقيقة في الملابس والأثاث والديكورات.
ويبرز فيلم “فلسطين 36” 2025 لماري جاسر خطوة أبعد، إذ تنقل ثورة وإضراب عام 1936 بمستوى ملحمي، يغطي الحقول والمدن والقرى، ويشمل المشاهد الجماعية والمعارك والخيول والبنادق، لتصبح اللحظة التاريخية محور السرد بالكامل، كما تستخدم جاسر سيناريو متقناً يركز على الحدث الجماعي، ويبتعد عن تقديم التاريخ كخلفية أو مشهد تمهيدي، ليمنح الفيلم الطابع التاريخي الكامل، كونها تعيد بناء العالم الفلسطيني في الثلاثينيات بدقة، من خلال الأزياء والديكورات والتصوير الخارجي الواسع.
وتستفيد السينما الفلسطينية في هذين العملين من عناصر متعددة، تشمل السرد والإخراج والتصوير والموسيقى، لإعادة تقديم التاريخ بشكل حي وملموس، لتكشف هذه التجارب طبيعة الاستعمار البريطاني المبكر، وطبيعة الهجرات الصهيونية، والتغييرات الديموغرافية والاجتماعية في فلسطين، دون مواربة أو تلطيف، وتبرز الصراع بين الفلسطينيين والمستعمرين بشكل مباشر، وتعطي هذه الأعمال المشاهدين فرصة لفهم الحدث التاريخي بوصفه لحظة تأسيسية تشكل أساس الهوية الوطنية الفلسطينية.

وتظهر أهمية هذه الأفلام أيضاً في كونها تمثل تحدياً للقيود التمويلية وقرارات الإنتاج الغربية، التي غالباً ما تشجع على أفلام “آمنة” تتناول الجانب الإنساني فقط، دون الغوص في جذور القضية الفلسطينية أو محاسبة الاحتلال على ممارساته التاريخيةـ إذ تثبت هذه التجارب أنّ معالجة التاريخ الفلسطيني ممكنة سينمائياً، وأنه يمكن إنتاج أفلام نكبويّة حقيقية تتجاوز الرواية السطحية.
وتفتح هذه الأعمال الباب أمام السينما الفلسطينية لمزيد من التجارب التاريخية التي تعالج النكبة بشكل كامل، وتعيد سرد جذور القضية الوطنية، ويقدم “فرحة” و”فلسطين 36″ نموذجاً يُحتذى به، ويؤكد على الحاجة إلى المزيد من الأفلام التي تجعل النكبة الحدث المركزي والوحيد في العمل السينمائي، بدلاً من الاقتصار على الحاضر أو على مراحل لاحقة فقط، كما تشجع هذه الأعمال على المراكمة في بناء فيلم تاريخي متكامل، ويعيد سرد التاريخ الفلسطيني من جذوره الأولى حتى اللحظات المفصلية في منتصف القرن العشرين.
وتطرح هذه التجارب سؤالاً مفتوحاً للمستقبل: متى ستتمكن السينما الفلسطينية من إنتاج فيلم نكبوي كامل يضع الحدث التاريخي محوراً وحيداً، ويعيد بناء تجربة الشعب الفلسطيني كاملة على الشاشة؟ ويظل هذا السؤال قائماً، لكنه يمنح الأمل بأن تستمر السينما الفلسطينية في معالجة تاريخها، كما فعلت، لتخلق نوعاً جديداً من السينما الوطنية، قادرة على توثيق التاريخ وإعادة سرد القصص المفقودة، وإحياء ذاكرة شعب بأكمله.
المصدر: الناقد الجديد











Leave a Reply