يصل فيلم “المُلحد” أخيراً إلى شاشات السينما المصرية بعد تأجيل طويل بسبب الجدل الرقابي الحاد الذي صاحبه منذ الإعلان عنه، فقد واجه العمل عراقيل عديدة حالت دون عرضه في موعده الصيفي لعام 2025، رغم انتهاء تصويره قبل أكثر من عام ونصف، الأمر الذي جعل الجمهور يتساءل عن السبب وراء منع فيلم يقترب من قضية اجتماعية حساسة بشكل مباشر.
ويتميز الفيلم بقدرته على المزج بين الجرأة والحذر في الوقت نفسه، فهو يطرح الإلحاد في السياق الاجتماعي والنفسي الذي قد يدفع شاباً إلى تبني هذه المعتقدات، موضحاً كيف يمكن للتطرف الديني داخل الأسرة أن يخلق بيئة قسرية تحرّك الصراع الداخلي للشخصية، وتدفعها إلى البحث عن مخرج فكري مختلف عن ما فُرض عليها منذ الصغر.
ويعرض الفيلم مجموعة من النجوم الذين جسدوا الشخصيات الأساسية بشكل متقن، من بينهم أحمد حاتم، ومحمود حميدة، وحسين فهمي، وصابرين، ونجلاء بدر، كما يتوزع العمل بين عدد من الأبعاد، الاجتماعية والنفسية والفكرية، في إطار درامي مشدود. ويركز العمل على صراع الأب مع الابن، لكنه يوسع المشهد ليشمل تأثير القرارات الفردية على الأسرة بأكملها، والكيفية التي تتحول فيها النزاعات العائلية إلى صراعات وجودية.
ويفجر الفيلم صراعاً حاداً منذ مشاهده الأولى، عندما يقرر الأب “حافظ”، الذي يجسده محمود حميدة، تزويج ابنته القاصر لرجل يكبرها بفارق زمني كبير، في تصرف يبرز السلطة المطلقة التي يمكن أن يمارسها الأب داخل الأسرة في ظل منظومة تقليدية متشددة، إذ يقف الابن “يحيى” أمام هذا القرار مرفوضاً بشكل قاطع، معتبره جريمة أخلاقية قبل أن يكون نزاعاً عائلياً، ليصبح الصراع بين الأب والابن رمزاً للتوتر بين السلطة التقليدية وحرية الاختيار الفردي، بينما يبرز هذا الصدام كيف يمكن للعادات والقيم الجامدة أن تتحول إلى أدوات ضغط نفسي، تدفع الأجيال الشابة إلى البحث عن إجابات خارج الإطار التقليدي، بما في ذلك التوجه نحو الإلحاد كموقف يعبر عن رفض القهر الفكري والاجتماعي الذي يفرضه المحيط المباشر.
وتبرز قضية الفيلم أن اختيار “يحيى” للإلحاد هو نتيجة تراكم سنوات من القهر الفكري والتناقضات المتكررة التي عاشها داخل منزل يسيطر عليه التشدد الديني، حين يجد نفسه محاصراً بين واجب الطاعة للعائلة ورغبته في الاستقلال الفكري، ويتحول الصراع مع الأب من نزاع حول قرار الزواج إلى مواجهة وجودية، إذ يرى فيها الأب أن ابنه خرج عن الدين، بينما يعتقد الابن أن ما فُرض عليه باسم الدين لم يكن سوى حرمان من الحق في السؤال والاختيار، وتحويل الحياة الأسرية إلى معركة بين الإيمان والطغيان، لكن ينجح الفيلم في تقديم هذه الرحلة الداخلية للشخصية بشكل يجعل المشاهد يشعر بضغط المواقف اليومية التي تتحول إلى أزمات وجودية حقيقية، وهو ما يعبر عن مهارة الكاتب والمخرج في مزج العناصر الدرامية بالفكرية بطريقة متماسكة وموحية.
ويتصاعد التوتر إلى مرحلة أكثر قتامة حين يهدد الأب ابنه بالقتل، باعتباره واجباً دينياً وفق قناعته، لتظهر هنا الكيفية التي يمكن أن يُحوّل فيها التطرف الإيماني العنيف أي علاقة أسرية إلى ميدان اختبار أخلاقي، حين تتداخل السلطة، الإيمان، والتهديد في مشهد يبرز صراعات الواقع الاجتماعي العميق. ويعرض هذا المشهد الجانب الأكثر قسوة في التعامل مع الحرية الشخصية، ويبرز الأسلوب الذي يستخدمه التشدد الديني لتبرير العنف والضغط النفسي، كما يقدم الفيلم تحليلاً دقيقاً للطريقة التي تتعامل بها الشخصيات مع التهديدات الداخلية والخارجية، في مشهد يترك أثراً نفسياً على المشاهد ويثير تساؤلات حول الحدود الأخلاقية للدين والأسرة.

ويحاول الأب أن يكسو تهديده بغلاف أخلاقي من خلال جلسات “الاستتابة”، ساعياً إلى إعادة ابنه إلى الإيمان قبل تنفيذ تهديده، لتظهر هنا التناقضات بين القسوة المعلنة والرحمة الزائفة، ويكشف كيف يمكن أن تتحول الدعوة إلى الإصلاح الديني في إطار العائلة إلى أداة للسيطرة والتلاعب النفسي، فيما تبرز هذه المشاهد بعمق العلاقة بين الإيمان، السلطة، والحرية الفردية، مع إبراز التفاصيل الدقيقة التي تجعل كل قرار في الفيلم مؤثراً على مستوى الشخصيات والنسيج الاجتماعي.
ويتدخل “العم”، شقيق الأب والذي يؤدي دوره حسين فهمي، ليقدّم صوتاً مختلفاً داخل العائلة، فهو لا يأتي بحلول جاهزة ولا يسعى لفرض رؤيته، لكنه يمثل النقطة النقدية التي تفضح هشاشة المنطق الذي يستند إليه الأب في السيطرة على الأسرة، ويساهم حضوره في الكشف عن خلفيات تاريخية واجتماعية للعائلة، وعن مواقف شخصية لم تُعرض سابقا.
ويبرز تكوين اللقطات الشخصيات بطريقة متوازنة، فلا يصور “يحيى” كبطل مثالي أو صاحب رؤية مطلقة، وإنما كشخصية مأزومة تشكلت بين الخوف والرغبة في الفهم، وبين الدفاع عن النفس والسعي لتحقيق الحرية الفكرية، بينما يُصوَّر الأب كإنسان اختزل الإيمان في أوامر جامدة أفقدته القدرة على رؤية ابنه ككائن مستقل، ليصبح الصراع بين الشخصيتين رمزاً لأزمة الأجيال بين التقليد والحداثة، بين السلطة والحرية، بين الإيمان والخوف.











Leave a Reply