مهرجان “صورة طنجة”: ميلاد تظاهرة دولية للفوتوغرافيا في عروس الشمال

أكثر من شهرين من الضوء: طنجة تحتفي بالصورة في حدث عالمي (17 يونيو – 31 أغسطس 2026)

عبدالرحيم الشافعي

تُعلن مدينة طنجة عن ميلاد حدثٍ ثقافي من طراز استثنائي: “صورة طنجة” ، المهرجان الدولي للصورة، الذي يُطلق نسخته الأولى في صيف 2026، مُقدِّمًا للمشهد الثقافي المغربي والعربي والعالمي تجربةً بصرية متكاملة تُوثِّق الحاضر وتستحضر الماضي وتستشرف المستقبل. ويمتد المهرجان على مدى أكثر من شهرين ونصف، من السابع عشر من يونيو حتى الحادي والثلاثين من أغسطس، ليُحوِّل طنجة إلى فضاء إبداعي مفتوح تتعانق فيه الغاليريات الخاصة والمتاحف والأماكن العامة في مسار فني متجانس يجوب أرجاء المدينة بأسرها.
ويرتكز مهرجان على مشروع فكري قبل أن يكون حدثًا فنيًا. نشأت الفكرة في صيف 2025، حين التقى عدد من المثقفين والمبدعين في طنجة حول الأديب العالمي طاهر بن جلون ، فأدركوا جميعًا أن مدينةً بهذا الثقل الحضاري والأثر التاريخي تفتقر إلى حدث فني جامع يليق بمكانتها. وينبثق المهرجان إذن من إحساس صادق بالمسؤولية تجاه مدينة منحت أصحابها رؤيةً للعالم وانفتاحًا على الآخر، وباتت تستحق أن يُردَّ لها الجميل بما يُصون هويتها ويُعزّز إشعاعها. ويقول طاهر بن جلون، رئيس مؤسسة المهرجان:  “يُنصف المدينةَ وحكاياتها، ويُعيد طنجةَ إلى انفتاحها التقليدي على الأفق الرحب.”


وتعود علاقة طنجة بالتصوير الفوتوغرافي إلى القرن التاسع عشر، حين كانت المدينة المحطة الأولى التي يطأها المصورون الأوروبيون في طريقهم نحو المشرق. وساهم وضعها الدبلوماسي المتميز، الذي أُقرَّ عام 1856، في تحويلها إلى المدينة المغربية الوحيدة التي يمكن لهؤلاء الفنانين والمستكشفين ارتيادها، فأُسِّست فيها استوديوهات للتصوير منذ سبعينيات القرن ذاته. ومع إرساء وضعها الدولي عام 1924، أصبحت طنجة ملتقىً كونيًا نادرًا يستقطب الأدباء والرسامين والمصورين من أصقاع المعمورة. في هذه المدينة بالذات، التقط علال دفوف لحظةً لن يمحوها التاريخ: خطاب السلطان محمد الخامس عام 1947 المطالبَ بالاستقلال. وفيها أيضًا، وقف دولاكروا وماتيس أمام ضوء لم يجداه في مكان آخر. تحمل طنجة في جيناتها الثقافية هذا الإرث المرئي الثمين، وجاءت صورة طنجة لتحوِّله من ذاكرة طيّها الزمن إلى طاقة إبداعية حيّة.
واختار المهرجان لنسخته الأولى موضوعًا بالغ الدلالة يُجسِّد جوهر طنجة وهويتها المركّبة: “نداء البحر”. إذ يستحضر هذا العنوان المدينةَ التي كانت على مرّ العصور بوابةً بين حضارتين وملتقىً بين قارتين، مدينةً نسجت تاريخها من خيوط الرحيل والعودة والانفتاح على المجهول. يسري هذا الموضوع في عروق البرنامج كله، من الأعمال المعروضة إلى الحوارات المنعقدة، مُذكِّرًا بأن الصورة ليست وثيقةً جامدة بل دعوةٌ دائمة إلى التأمل والسفر والتساؤل.
ويضم المهرجان جملةً من المعارض الكبرى الموزّعة على أبرز الفضاءات الثقافية في طنجة، تُشكِّل في مجملها مسارًا فنيًا متكاملًا يجوبه الزائر بين الجدران والأزقة والأحياء.


ويقدِّم معرض “لماذا طنجة؟” في مقر مؤسسة الفوتوغرافيا جردًا بصريًا تاريخيًا يمتد عبر نحو 150 سنة من الفوتوغرافيا، جامعًا أعمال مصورين عالميين من أمثال سيسيل بيتون، هاري غرويار، ونيكولاس مولر، في استحضار موثَّق لوجوه طنجة المتعددة وأحقابها المتداخلة.
وضم معرض “نداء البحر” في غاليري محمد الدريسي أربعة أسماء لامعة: ليلى علوي ، الفنانة المغربية التي اغتالها رصاص الإرهاب في أوج عطائها ولا تزال أعمالها تشهد على حضورها الإنساني العميق؛ ومحمد الباز الباحث في تشريح الانكسار المعاصر؛ ويوسف نبيل الحامل لحنين السينما المصرية الذهبية وأسئلة المنفى؛ ويورياس الذي يُضفي على الشارع روح الرقص والشعر.
ويُرسي معرض  “حوار غير متوقع”  لقاءً فنيًا نادرًا بين المصوِّرَين  هشام بنوهود  المغربي و دوني دارزاك  الفرنسي، في أعمال تستفزّ الواقع وتُجرِّب حدوده، وتُحوِّل اللامتوقع إلى أسلوب قائم بذاته.
ويُلقي معرض  “أن تنشأ بين الضفاف”  الضوء على أربع فنانات عربيات بارزات هنّ  مريم بودربالة  و أمينة بنبوشتى  و زليخة بوعبدالله  و فادية أحمد ، في أعمال تُعيد مساءلة صورة المرأة والجسد والهوية، وتُفكِّك الأحكام المسبقة بصرامة فنية ورؤية نقدية عميقة.
ويشكِّل معرض  “نظرات المصورين المغاربة في العالم” في فيلا هاريس الحدثَ المحوري لهذه النسخة، إذ يجمع 14 فنانًا مغربيًا تتقاطع في أعمالهم تجربة التنقل والمنفى والانتماء المزدوج، مُقدِّمين رؤيةً بصرية تتجاوز ثنائية الأصل والاغتراب لتُؤسِّس حضورًا فنيًا عابرًا للحدود. يُنجَز هذا المعرض بدعم كريم من  المجلس الاستشاري للجالية المغربية في الخارج .

ويُقترح معرض  “بطء ” في قصر الفنون والثقافة قراءةً مغايرة لجغرافية المغرب، عبر رحلة مصوَّرة يقودها  براهيم بنكيران  المغربي و ألكسندر شابلييه  الفرنسي في الطرق المنسية بعيدًا عن السرعة والضجيج، مكتشفَيْن إيقاعات حياة ووجوه إنسانية ظلّت خارج إطار الصورة النمطية للمغرب.
ويستحضر الفنان  خالد نماوي  في معرضه بالهواء الطلق بميناء طنجة روح الملاح البرتغالي ماجلان، في قراءة شعرية وبصرية للنداء الأزلي نحو المجهول، تتحوّل فيها المارينا إلى فضاء تأمل مفتوح على اللانهاية. وسيُكرِّم مهرجان صورة طنجة في كل عام مصوِّري دولة بعينها، ويُمثِّل هذا الاختيار بُعدًا دبلوماسيًا وثقافيًا في آنٍ واحد. إذ تحلّ  إسبانيا  ضيفةَ الشرف في هذه النسخة الافتتاحية، تعبيرًا عن علاقة تاريخية متجذِّرة وجوارٍ جغرافي يفصله أقل من خمسة عشر كيلومترًا. يُقدَّم بهذه المناسبة معرضٌ استثنائي للمصورة العالمية  إيزابيل مونيوز  في معهد ثيرفانتيس بطنجة، تلك الفنانة التي رفعت الجسد البشري إلى مرتبة الملحمة البصرية. يُرافق هذا المعرض برنامجٌ سينمائي متكامل يُعرض في سينما الأكازار الأسطورية، يتضمن أعمالًا لكبار المخرجين الإسبانيين من لويس بونويل إلى إيكار بولاين، في رحلة عبر تاريخ السينما الإسبانية من الخمسينيات حتى اليوم.

ويتجاوز المهرجان عرض الصور إلى التكوين والتربية البصرية. يُنفَّذ في إطار شراكة مع  وزارة الثقافة والشباب والتواصل برنامجٌ تربوي يُعرِّف الشباب بأسرار التصوير الفوتوغرافي وتقنياته وجمالياته. ويُفرَد من ضمن هذا البرنامج مسابقة الفوتوغرافيا الشبابية المغربية الموجهة للمصورين الشباب بين 18 و35 سنة، تحت موضوع “نداء البحر”. وأسفرت النسخة الأولى من هذه المسابقة عن ثلاثة فائزين متميزين: لويزا بن بسلسلتها الحميمية “يلّي” التي حصدت الجائزة الأولى تقديرًا لرقّتها ومعالجتها الفريدة لإشكالية الهوية المغاربية، وأيوب الصياب بسلسلته “Behind the Eyes” الحائزة على الجائزة الثانية، وسناء الزيدي بعملها “عبور” الذي مزج بين التوثيق والقصيدة البصرية.


يُنظَّم على هامش المعارض، في التاسع عشر والعشرين من يونيو، سلسلة لقاءات فكرية تجمع فنانين وأكاديميين وصحفيين، تتناول قضايا راهنة تمسّ جوهر الفوتوغرافيا ومصيرها. تشمل هذه اللقاءات مواضيع من قبيل: إزالة الاستعمار من الصورة، والممارسات الفوتوغرافية المعاصرة، وإسهام المصورين المغاربة في المشهد الفني الدولي، ومستقبل الصورة في ظل الذكاء الاصطناعي. تتناول إحدى هذه الجلسات بشكل خاص وضع المرأة المصوِّرة في العالم العربي، في نقاش يُوثِّق مسارًا إبداعيًا أسهم في إثراء المشهد البصري العربي تثريًا لا يُنكَر.

يحظى مهرجان صورة طنجة بدعم شبكة واسعة من الشركاء المؤسسيين، في مقدمتهم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وولاية طنجة-تطوان-الحسيمة، والمجلس الإقليمي، وبلدية طنجة، ووكالة الشمال، وميناء طنجة المدينة، والمؤسسة الوطنية للمتاحف، والمجلس الاستشاري للجالية المغربية في الخارج، وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلى جانب مؤسسة ألايانسيز ومؤسسة TGCC للفن والثقافة، والمعهد الفرنسي بالمغرب، ومعهد ثيرفانتيس بطنجة، ومؤسسة الفوتوغرافيا بطنجة، وجمعية طنجفلام.

يُؤسِّس المهرجان في نسخته الأولى لتقليدٍ ثقافي سيتجذَّر ويتّسع مع الزمن. يحمل هذا المهرجان رسالةً مزدوجة: يُوجِّه إلى الداخل دعوةً لإعادة اكتشاف موروث بصري أصيل وتوظيفه في صياغة هوية معاصرة متجددة، ويُطلق إلى الخارج إشارةً واضحة بأن طنجة مدينةٌ حية تُفكِّر وتُبدع وتنفتح. يُعيد المهرجان إلى الأذهان ما قاله ابن بطوطة ابن هذه المدينة بحياته كلها قبل أن يقوله بكلماته: إن الرحيل في طلب المعرفة فريضةٌ، وإن الأفق دائمًا أوسع مما تظنّ.

#الناقد_الجديد #صورة_طنجة #طنجة_2026 #مهرجان_الصورة #PhotographyFestivalTangier



Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

We use cookies to personalise content and ads, to provide social media features and to analyse our traffic. We also share information about your use of our site with our social media, advertising and analytics partners. View more
Cookies settings
Accept
Privacy & Cookie policy
Privacy & Cookies policy
Cookie nameActive

Who we are

Suggested text: Our website address is: http://alnaqid.org/wp.

Comments

Suggested text: When visitors leave comments on the site we collect the data shown in the comments form, and also the visitor’s IP address and browser user agent string to help spam detection. An anonymized string created from your email address (also called a hash) may be provided to the Gravatar service to see if you are using it. The Gravatar service privacy policy is available here: https://automattic.com/privacy/. After approval of your comment, your profile picture is visible to the public in the context of your comment.

Media

Suggested text: If you upload images to the website, you should avoid uploading images with embedded location data (EXIF GPS) included. Visitors to the website can download and extract any location data from images on the website.

Cookies

Suggested text: If you leave a comment on our site you may opt-in to saving your name, email address and website in cookies. These are for your convenience so that you do not have to fill in your details again when you leave another comment. These cookies will last for one year. If you visit our login page, we will set a temporary cookie to determine if your browser accepts cookies. This cookie contains no personal data and is discarded when you close your browser. When you log in, we will also set up several cookies to save your login information and your screen display choices. Login cookies last for two days, and screen options cookies last for a year. If you select "Remember Me", your login will persist for two weeks. If you log out of your account, the login cookies will be removed. If you edit or publish an article, an additional cookie will be saved in your browser. This cookie includes no personal data and simply indicates the post ID of the article you just edited. It expires after 1 day.

Embedded content from other websites

Suggested text: Articles on this site may include embedded content (e.g. videos, images, articles, etc.). Embedded content from other websites behaves in the exact same way as if the visitor has visited the other website. These websites may collect data about you, use cookies, embed additional third-party tracking, and monitor your interaction with that embedded content, including tracking your interaction with the embedded content if you have an account and are logged in to that website.

Who we share your data with

Suggested text: If you request a password reset, your IP address will be included in the reset email.

How long we retain your data

Suggested text: If you leave a comment, the comment and its metadata are retained indefinitely. This is so we can recognize and approve any follow-up comments automatically instead of holding them in a moderation queue. For users that register on our website (if any), we also store the personal information they provide in their user profile. All users can see, edit, or delete their personal information at any time (except they cannot change their username). Website administrators can also see and edit that information.

What rights you have over your data

Suggested text: If you have an account on this site, or have left comments, you can request to receive an exported file of the personal data we hold about you, including any data you have provided to us. You can also request that we erase any personal data we hold about you. This does not include any data we are obliged to keep for administrative, legal, or security purposes.

Where your data is sent

Suggested text: Visitor comments may be checked through an automated spam detection service.
Save settings
Cookies settings